All posts by شفيق اكّريكّر

كيفية التعامل مع السؤال المفتوح بحسب أداة الاستفهام

كيفية التعامل مع السؤال المفتوح بحسب أداة الاستفهام

تقتضي منا صيغة السؤال الإشكالي المفتوح أن نقف أولا ومطولا عند دلالات الكلمات أوالحدود المكونة لمنطوق السؤال، فمن تحديد هذه الدلالات يمكن أن نقف على علاقات ومعان نتخدها كإمكانيات للإستشكال (الطرح الإشكالي) أو لبناء مواقف وأطروحات في سعنا للجواب على السؤال.
ولعل أول لفظة أو حد يتوجب الوقوف عنده هو أداة الاستفهام نفسها التي يفتتح بها السؤال!! فهي التي تحدد المطلب، لذا وجب أولا التفطن إلى المطلوب، والجدول التالي يعرض أهم أدوات الاستفهام ومطلب كل واحدة منها، وإمكانيات التعالم مع سؤالها

Facebooktwitterredditmailby feather

معضلة المقدمة في الإنشاء الفلسفي على ضوء المذكرة159

معضلة المقدمة في الإنشاء الفلسفي على ضوء المذكرة159

إن المقدمة بوصفها إعلانا عن الموضوع، والتمهيد بوصفه مقدمة للمقدمة لهو معضلة حقيقية. وفي كل شيء يتكون ويظهر بعد أن لم يكن، نجد أن الانبثاق هو اللحظةالحرجة! في خروج الجنين من رحم أمه، في تمزيق النبتة لغلاف البذرة، في الإعلان الأول عن الحب للمحبوب..!

من الاختلاف المتوحش إلى الحوار:
مادام الفلاسفة قد اختلفوا حول تعريف الفلسفة ذاتها !! ومادمت تجد بصدد كل إشكال فلسفي رأيين متعارضين على الأقل، فكيف نعجب إن اختلف مدرسو الفلسفة في تصورهم للمنهجية، ولكفية إقدار التلاميذ على امتلاك ناصيتها وممارستها.
بيد أن هذا الحق (أي حق الفلاسفة أو مدرسي الفلسفة) ليس حقا مطلقا، إذ يقابله واجب ومسؤولية… واجب إعداد التلاميذ ليجتازوا بنجاح امتحانا وطنيا يحل فيه مصحح مجهول محل المدرس! عندها يغدو اختلافنا المُمتدح كابوسا بالنسبة للمتعلم بكل بساطة.. من هنا حاجتنا إلى توحيد أو على الأقل توضيح الرؤى لأنفسنا ولبعضنا البعض ولتلامذتنا ضمانا لمبدأ تكافؤ الفرص بين المتعلمين.
وهناك قضايا منهجية محددة بمثابة أوراش تنتظر منا أن ندشن التفكير فيها والتداول بشأنها، من قبيل:
-مقدمة الإنشاء الفلسفي، ماغايتها، ما وظيفتها في علاقتها بالإنشاء ككل، وماهي مكوناتها..
-مالمقصود بالتحليل، سواء كان تحليلا لنص او قولة أو لمفردات سؤال؟ وكيف للتلميذ أن ينجز مطالب التحليل عمليا…؟ وما موقفنا عمن عبارات من قبيل: تضمن نص مفهوم كذا ويعني كذا… واستعمل أسلوب كذا وأسلوب كذا…
-ما المقصود بالمناقشة؟ وما موقع ووزن ما يسمى مواقف مؤيدة وأخرى معارضة داخل مطلب المناقشة..؟
– مادور الخلاصة؟ مجرد حوصلة؟ المكان المفضل للتعبير عن الرأي الشخصي الذي يفترض اننا امتنعنا عن إبدائه أثناء العرض..؟
وبالمناسبة، فقد سبق لثلة من المدرسين التداول بشأن هذه القضايا غير ما مرة في نقاشات طويلة وخصبة شهدتها صفحات منتدى الحجاج والمقالة الحالية إنما ولدت في غمار تلك النقاشات..

نبدأ إذن كما يبدأ الإنشاء الفلسفي نفسه أي من المقدمة

1-مقدمة الإنشاء الفلسفي:

ظاهرة الصيغ النمطية:
مادفعني إلى الاشتغال على المقدمة وإيلائها كل هذه الأهمية هو ظاهرة هذه المقدمات النمطية التي تطفح بها إنشاءات التلاميذ والتي يبدو انها لقنت لهم في مكان ما، من قبل مدرس أو كتاب مدرسي رسمي او مواز..تبدأ هذه المقدمات عادة بصيغ مثل:
– يتأطر النص ضمن مفهوم كذا الذي أثار نقاشا بين الفلاسفة تناوله كل واحد منهم من زاويته الخاصة.. فماهو..إلخ
-يتأطر النص ضمن مجزوءة كذا ومفهوم كذا وبالضبط محور كذا.. فماهي أو ماهو..
– يتناول النص الذي بين أيدينا مفهوم كذا ويدل في معناه الفلسفي على كذكا وكذا.. إذن ماهو… إلخ
قبل الجكم على هذه المقدمات، يجدر بنا أن نلقي نظرة على مذكرة الأطر المرجعية رقم 159 والتي يفترض أنها تقدم لنا “إطارا مرجعيا” نمرن على ضوئه تلامذتنا على كفايات الإنشاء الفلسفي ونصحح بناءا عليها إنتاجاتهم سواء أثناء التقويم التكويني أو الجزائي

المذكرة 159، الفهم و المقدمة !
لعلكم لاحظتم ما تتضمنه مذكرة الأطر المرجعية التي تحمل رقم 159 من اللبس. إذ لا تتحدث عن مقدمة أو حتى عن طرح إشكالي، وعوض ذلك تستخدم المصطلحات والترسيمة التالية (ص7):
الفهم:
-تحديد موضوع النص؛
-تحديد الإشكال المطروح؛
-تحديد فكرة النص أو أطروحته.
التحليل:
-إعادة صياغة الإشكال من خلال أسئلته الأساسية؛
-شرح الأطروحة في علاقتها بمفاهيم النص؛
-إبراز الحجج و دورها في النص.
المناقشة:
– مناقشة أهمية الأطروحة من حيث قيمتها وحدودها
-طرح إمكانيات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال الذي يثيره النص.
التركيب:
-استخلاص نتائج التحليل و المناقشة؛
– إبراز المجهود الشخصي للتلميذ.
الجوانب الشكلية:
-اللغة والأسلوب ووضوح الخط..

ولكن أين هي المقدمة !؟
ماموقع مقدمتنا في هذه الترسيمة؟! يميل بعض الزملاء إلى المطابقة بين المقدمة واللحظة الأولى في المذكرة أي “الفهم”، فيدخلون في المقدمة (التي تتجسد تيبوغرافيا في الفقرة الأولى) ضرورة “تحديد فكرة النص او أطروحته”، وبعضهم يقف حائرا أمام هذه الصيغة وبعضهم يرفضها بكل بساطة ولا يلتفت إليها، ولكن ما البديل في هذه الحالة؟
من الممكن تجاوز هذه الأشكال من الغلو، إذا ما توقفنا أصلا عن المطابقة بين “الفهم” المذكور في المذكرة و”المقدمة”: إذ أزعم أن من صاغ هذه المذكرة قد ارتكب خطأ فادحا – خصوصا وأنه يؤسس لتصور منهجي يتمتع بقوة المؤسسية (أي التأسيس) – حين قصر الفهم على اللحظات الأولى من الموضوع، وكان حريا به أن يسميه “طرحا إشكاليا”، ويسمي ما تبقى بناءا إشكاليا متكونا من تحليل ومناقشة، فتنسجم بذلك مصطلحات الإنشاء الفلسفي مع مصطلحات الدرس الفلسفي. ولم لا؟ خصوصا أن الثاني ينبغي أن يكون نموذجا حيا للأول، ويفترض في المدرس أن يقدم لتلامذته من خلال إنجازه لدرسه في ممارسته الفصلية اليومية صورة عن منهجية الإنشاء أو بالأحرى التفكير الفلسفي، لأن الإنشاء والدرس ليسا سوى تمارين في التفكير الفلسفي، وكلاهما يخضعان لنفس مطالب التفكير الفلسفي (ولكن هذا موضوع آخر يحتاج منا إلى مقالة مستقلة).
ثم إن المقدمة ليست وحدها محل البرهنة على الفهم، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بفهم “أين يقع النص في المقرر الدراسي” !! لكن جل المصححين يعلمون أن الفهم الحقيقي للنص او القولة أو السؤال إنما يتمظهر في جميع لحظات الموضوع، أي أنه كفاية مستعرضة إن صحت هذه العبارة! ولا أدل على ذلك من الأفعال المعرفية التي تندرج تحت عملية الفهم في صنافة بلوم…

بعد مشكلة المطابقة بين “الفهم” و”ألمقدمة” توادهنا مشكلة أخرى وهي مكونات المقدمة نفسها:
لا جدال في المكون الأوسط، على أساس ان المقدمة هي محل الطرح الإشكالي. ولكن يلزم مع ذلك التنبيه إلى قضية جوهرية وهي أن المقصود بتحديد الإشكال المطروح، إنما هو الإشكال المطروح في النص أو القولة وليس إشكال الدرس، وفي غالب الأحيان لا تتطابق إشكالات النص مع إشكالات الملخص، أو لنقل إن النص يطرح إشكالات الدرس بشكل مُحوّر وملتو وغير مباشر.
والآن ماذا عن العنصرين المتبقيين: تحديد موضوع النص؛ و تحديد الإشكال المطروح !؟

تحديد أطروحة النص في المقدمة !
من جهة أخرى، أتساءل: هل يمكن أن تتضمن المقدمة تصريحا بأطروحة النص أي بجواب النص على الإشكال المطروح وفق التأويل “الحرفي” للمذكرة 159؟ في هذه الحالة ألن تفقد المقدمة دورها الخطابي المتمثل في شد انتباه القارئ وتشويقه؟ أليست المقدمة محلا للطرح الإشكالي حيث يفترض ان الأمور ملتبسة، محيرة، غير واضحة أو متناقضة؟ بحيث يكون النص بأطروحته وأفكاره وكذاالأطروحات المضادة في تطابقها أو تقاطعها أوتعارضها أو تجاوزها لهذه الأطروحة.. بمثابة محاولات لرفع هذا اللبس أثناء سيرورة بناء الإشكال
التأويل أو “التخريجة” التي أقترحها هو أن ماتسميه المذكرة 159بمرحلة “الفهم” لا يطابق الفقرة الأولى من إنشاء التلميذ أي المقدمة ولايتوقف عندها، بل يمتد إلى اللحظة الأولى من العرض أي لحظة الإعلان عن أطروحة النص، فتصبح الخطاطة كالتالي:
الفهم:
-تحديد موضوع النص؛
-تحديد الإشكال المطروح؛
———————————–
العرض:
-تحديد فكرة النص أو أطروحته.
التحليل:
-إعادة صياغة الإشكال من خلال أسئلته الأساسية؛
-شرح الأطروحة في علاقتها بمفاهيم النص؛
-إبراز الحجج و دورها في النص.
المناقشة:
-مناقشة أهمية الأطروحة من حيث قيمتها وحدودها
-طرح إمكانيات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال الذي يثيره النص.
—————————————
الخاتمة
التركيب:
-استخلاص نتائج التحليل و المناقشة؛
– إبراز المجهود الشخصي للتلميذ.

الجوانب الشكلية:
-اللغة والأسلوب ووضوح الخط..

بمعنى أننا سنكتفي برسم خط وهمي يمر فوق ماسمته المذكرة ” تحديد فكرة النص أو أطروحته” كي يندرج هذا المطلب ضمن العرض. وهذا ما فعله محررو المذكرة أنفسهم عند حديثهم عن منهجية التعامل مع القولة (ص8):
الفهم:
-تحديد موضوع القولة؛
-إبراز الإشكال المطروح، الصريح أو الضمني؛
-إدراك مجال السؤال المرفق بالقولة : حدوده وترابطاته .
التحليل:
-استخراج الأطروحة التي تتضمنها القولة وتفسيرها ؛
-الوقوف عند الحجاج الذي تفترضه والذي يمكن توظيفه لبنائها؛
-توظيف المعرفة الملائمة لمعالجة الإشكال المطروح .

بهذا نكون قد حللنا مشكلة تقنية ! ولكن سيعترض البعض مثلا بأن بداية العرض ليست المكان المناسب للإعلان عن أطروحة النص، التي لا ينبغي التصريح بها إلا في أعقاب لحظة التحليل على شكل إستنتاج. وهو اعتراض مقبول ينتصر للمقاربة الإستقرائية أي المرور من المفصل إلى المجمل، بيد أني لا أرى مانعا من قبول المقاربة الاستنباطية بدورها، أي الانتقال من المجمل إلى المفصل. خصوصا إذا أعقب الإعلان عن الأطروحة تساؤل يروم الاستفهام عن دواعي تبني النص لمثل هذه الأطروحة كصيغة انتقالية للشروع في تحليل أفكار النص وحجاجه..

تحديد موضوع النص: هل له من قيمتة و وظيفة؟ أم أنه بالأحرى عائق نفسي وابستملوجي؟
والآن ماذا عن المطلب الأول (تحديد موضوع النص )؟ ما قيمة أن يحدد التلميذ موضوع النص في المقدمة؟ وعندما أتساءل عن هذه القيمة، فإنما أربطها بالمعطيات التالية:
أ- يفترض أن نبدأ في المقدمة بشيء ما يكون منطلقا للاستشكال قضية النص أو القولة أو السؤال؟
ب- أن هذا التحديد يختزل عادة في التعرف على المجزوءة أو الدرس وأحيانا المحور الذي يعتقد أن قضية النص تندرج تحته
ج-عندما يُنصح التلميذ في إطار التوجيهات المنهجية للإنشاء الفلسفي، بأن يمهد للأسئلة المطروحة بإدراج النص أو القولة أو السؤال أولا ضمن مجزوءة أو مفهوم أو حتي محور، ألا يكون في هذ الحالة قد تهيأ نفسيا للإنسحاب كذات مفكرة، وعوض أن يتحمل مسؤولية الإشكال المطروح بوصفه إشكالا مطروحا عليه بشكل شخصي وخصوصا فإذا تعلق الأمر بمواضيع في الشخص اوالغير أو الدولة أو العنف أو الحق أوالواجب أ والحرية أو حتى السعادة..، ويخلي السبيل لـ “لإطار” الذي هو الدرس أو المحور او حتى المجزوءة، مادام أن المطروح عليه يتأطر وينحشر ضمن الجاهز، ضمن ما سبقت دراسته أو تدوينه أي ضمن مجزوءة وأو درس او محور !؟ أعتقد أن تأطير الموضوع ضمن مجزوءة او درس او محور لايعني عند التلميذ سوى أن الموضوع برمته مطروح على الفلاسفة، تلك الكائنات الغريبة التي تستوطن الدرس،
د- وأخيرا فإن الربط بين هذا “التأطير” أو التحديد والأسئلة التي تليه يبدو مصطنعا ومتكلفا، بل إن الوحدة منعدمة، حيث يجد المصحح نفسه أمام عنصرين لارابط بينهما: تأطير الموضوع ثم سلسلة الأسئلة التي تختتم بها المقدمة ! والمثال التالي بوضح مقصدي:

يندرج النص الذي بين أيدينا ضمن مجزوءة السياسة وبالضبط ضمن مفهوم الحق ويعالج كذا وكذا، إن ماهو أساس الحق؟ هل هو طبيعي أم ثقافي؟

من أجل تقريب وجهات النظر بيننا كمدرسي فلسفة، أرى من المناسب أن نسأل أنفسنا: مادام الأمر يتعلق بطرح إشكال وتساؤلات، فكيف تطرح الأسئلة داخل مسار الفكر الفلسفي نفسه!؟ كلنا ندرس لتلامذة الجذع المشترك أن التساؤل الفلسفي يخرج من رحم الدهشة او هو تعبير عن دهشة. فهل يشذ ميلاد السؤال الفلسفي داخل الإنشاء الفلسفي عن هذه القاعدة؟! ألا يفترض في التلميذ أن يعيد إخراج mise en scene هذه السيرورة، بحيث تبدو أسئلته ثمرة دهشة أو حيرة أمام تناقض أو التباس أو مفارقة.. فيكون طرح السؤال منتهاها الطبيعي؟
أليس المطلوب المطلوب إذن هو ان يقحم ذاته في فعل التفكير، وذلك بان يبين كيف أن إشكال النص او القولة أو السؤال يطرح نفسه علينا؟ كيف يسائلنا ويستوقفنا؟ كيف ينبثق من قلب تناقضات أو التباسات معينة يكون الإقبال على النص أوالقولة أو السؤال بمثابة توضيح لها أن بحث فيها !؟
عندما نطلب من التلميذ ان يجعل من التمهيد -وهو أول أجزاء المقدمة- موضعا للإستشكال وفرصة لتبرير وتسويغ الإشكال، فإننا بذلك لا نفعل شيئا سوى إلزامه منذ البداية بأن يتبنى المشكل المطروح او يفكر على الأقل لماذا هو مطروح، وبالمقابل فعندما نطالبه بأن يبدأ بتأطير الموضوع في مجزوءة وا درس أو حتى محور، ألا نكون بذلك قد “شرطناه” (من الإشراط) ليفكر في الموضوع داخل حدود الدرس، وكلنا يعلم جيدا أنه مامن درس أنجزه مدرس يوما ما، كان كافيا لمعاجلة موضوع إنشائي والتفكير فيه، اللهم إلا إذا كان قد صاغ درسه وهو يفكر في هذا الموضوع الإنشائي !!

ماهو البديل إذن؟ قبل صياغة اجتهادي الخاص فيما يتعلق بمقتضيات المقدمة والشروط التي ينبغي أن تستوفيها، لنلق نظرة -من باب الاستئناس-على الطريقة التي ينظّر بها الفرنسيون للمقدمة، لمادمنا قد استوحينا من الفرنسيين مبدأ تدريس الفلسفة في الثانوي مثلما استوحينا منهم دروسها وحتى مرجعياتها:

الاختيارات المنهجية في التقاليد الفرنسية:
تميل أغلب أدبيات التقليد المدرسي الفرنسي (سواء في الكتب المتخصصة في المنهجية أو التوجيهات المتضمنة في الكتب المدرسية)، إلى اختيار منهجي يتمثل في الانطلاق -في لحظة التمهيد لطرح الإشكال-من بداهة من بداهات الحس المشترك ومقابلتها بالأطروحة الفلسفية الواردة في النص أو المفترضة في السؤال من أجل خلق توتر يشرعن طرح السؤال ( وسترد أمثلة ذلك بعد قليل)
فــ ميشل غورينا مثلا في كتابه “دليل الإنشاء والتعليق على النص في الفلسفة” (وهو كتاب اصطنع فيه منهجية اسبينوزا في كتاب الأخلاق! وحاول تعقيد منهجية الإنشاء بالرجوع إلى نصوص الفلاسفة أنفسهم) وبالضبط في فصل بعنوان” قواعد من أجل طرح مشكل فلسفي”، يقترح المقتضيات المنهجية التالية (مع العلم أنني انقل لكم فقط العناوين والخلاصات دون المحاججة والتفاصيل):
تعريف رقم 1: الإنشاء الفلسفي فحص لمشكل فلسفي
تعريف رقم2: المقدمة هي ذلك الجزء من الإنشاء المخصص لطرح المشكل
القاعدة رقم1: في إنشاء فلسفي، ينبغي الاكتفاء ببحث مشكل واحد؛
القاعدة رقم2: يصاغ المشكل الفلسفي الذي يعالجه الإنشاء حصريا في المقدمة
القاعدة رقم A 3 إذا تضمن منطوق السؤال مطلبا بتعريف حد (أو مفهوم) واحد [مثلا: مامعنى حياة سعيدة؟]، فالمطلوب هو صياغة تعريف مضاد للدلالة المتداولة والبديهية للحد المقترح
القاعدة رقم B 3: إذا انطوى منطوق السؤال على حدين، فيجب أن نقيم بينهما علاقة مفارقاتية
القاعدة رقم6: لابد للمقدمة ان تتضمن: تذكيرا بدلالات الحس المشترك- أطروحة يثير تعارضها مع الحس المشترك إشكالا أو مشكلة- السؤال الناتج عن تناقض الأطروحة والحس المشترك
المرجع:Michel GOURINAT, Guide de la dissertation et du commentaire composé en philosophie. Hachette 1976 pp:32-36

المرجعية الثانية التي أحب ان نستأنس بها في نقاشنا الحالي هي كتاب جاكلين ريس “المناهج في الفلسفة”، ومن الجدير بالذكر أن كتابها هذا حافل بنماذج لإنشاءات أو لحظات من إنشاءات منجزة بالكامل في آخر كل فصل لتوضيح التوجيهات المنهجية النظرية للفصل!!
نجد في كتاب ريس القارئ أمثلة توضيحية أو تطبيقية لما أورده غورينا إضافة إلى صيغ أخرى إضافية للمقدمة. لكنها تتفق مع غورينا في مطلب “التوتر” الذي ينبغي أن يطبع التمهيد المفضي إلى طرح الإشكال، والذي يتناقض تماما مع “السرديات” التي نحث عليها تلامذتنا!! أو التي توحي بها المذكرة أعلاه عندما نقرأ فيها عبارة: “تحديد موضوع النص”
تقول ريس:
“المقدمة لحظة حاسمة يستشف منها مسار العمل الفلسفي ككل، ولكن عم تعلن المقدمة بالضبط؟”
تجيب ريس من خلال تحديد أربع وظائف للمقدمة:
-كونها مدخلا إلى التساؤل الفلسفي
-وظيفة الأشكلة
-الوظيفة المفارقاتية aporetique او إثارة المفارقات
– التلميح إلى المراحل المقبلة التي سيمر منها التفكير خلال الإنشاء، ولكن مع تجنب الإعلان المباشر والمسبق عن الجواب أو الحل

وكما ذكرت أعلاه، فجدة كتب ريس يتجلى في أنها تشفع تنظيراتها المجردة دائما بنماذج تطبيقية، وفي هذا الإطار، نقرأ تحت عنوان:
بعض المساعي التقديمية الممكنة
queleques demarches introductifs possibles
كيف نصوغ مقدمة ونؤشكل منطوق السؤال؟ [مع وعينا بمخاطر] الصيغ المصطنعة والوصفات السحرية. يمكن أن نستعرض [مع ذلك] بعض الأساليب التقديمية المفيدة للطلبة إذا ما استلهموا روحها كأرضية لمزيد من البحث والإبداع une matrice à recherches
أ-استثمار التناقضات
مثال: هل يمتلك التفكير في الموت موضوعا ما؟
مقترح مقدمة:يظهر هنا أن التفكير العقلاني للإنسان يتخد من تناهينا موضوعا له. وسواء تعلق الأمر بالموت كوفاة أو الموت في معناها المجرد بوصفها البنية المتناهية والمحدودة للفردية، يظهر أن التفكير في الموت يفكر فعلا في موضوع محدد. ولكن أليس التفكير في الموت تفكيرا في “لاشيء”، فعندما نفكر ف ي الموت يفتقد تفكيرنا هذا لكل محتوى واقعي ومحايث. ألا تنفلت الموت إن من الفعالية التأملية؟..إلخ
ب-إقامة ضرب من التعارض بين الرأي الشائع أو التمثل المشترك والمفارقة الكامنة في السؤال
-مثال: هل من الممكن أن توجد حقائق جزئية؟
مقترح مقدمة: نميل إلى الاعتقاد عامة، بأن الحقيقة كل منسجم وليس مجرد شذرات أو أجزاء غير مكتملة..إلخ

ج-استثمار التعارض بين النظريات الفلسفية: يمكن أن نطبق مبدأ التوتر والتناقض على النظريات الفلسفية ذاتها، شريطة امتلاك معرفة فلسفية دقيقة بالمذاهب، وعدم الوقوع في فخ الاستغراق في التفاصيل المعرفية منذ البداية!
مثال: هل هناك ما لا تستطيع اللغة قوله؟
نموذج مقدمة: يستفهم منطوق السؤال، من جهة، حول اللغة بوصفها وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر، أو القدرة على إخراج هذا الفكر إلى الوجود بواسطة علامات. ولكنه يوحي ضمنيا، من جهة أخرى، بوجود ما لا يمكن التعبير عنه (برغسون والمتصوفة)، وهذا ما يتعارض والتصورات الفلسفية التي تمنح الأولوية للخطاب واللغة، فهذا الذي لا تستطيع اللغة التعبير عنه وإخراجه إلى الوجود وموضعته قد لا يعدو كونه مجرد سديم حسب هيغل..إلخ

د-التنسيب التاريخي €قد يقدم السؤال نفسه كحقيقة مطلقة. فنلجأ إلى الكشف عن محدودية هذه الحقيقة، فنجعل منها موضع مساءلة ممكنة
مثال: هل يتوقف تأنسن البشر على الشغل؟
نموذج مقدمة: يدور السؤال حول الوظيفة التكوينية للشغل، ولكن هل تحمل هذه الأطروحة بداهتها في ذاتها؟ إذا بدا الشغل من جهة كإبداع وتملك للعالم من طرف الإنسان، فإنه لم ينل غير التبخيس في الكثير من المجتمعات: ألم يفضل البعض طريق التأمل؟.. إلخ

المرجع:
Jacqline Russ, Les methodes en philosophie. Armand Colin 1992 pp:114-118

نحو تحديد إجرائي لوظيفة المقدمة ومكوناتها
بعد كل ما سلف، نستطيع القول بشيء من اليقين أن :
-المقدمة هي محل الطرح الإشكالي، وهذا الإقرار شبه بداهة تحظى بالإجماع،
– أن تحديد الإشكال والتفكير في صياغته على شكل جمل استفهامية، يفترض تفكيرا لا يقل عنه إجهادا! إذ لما كان الإشكال الفلسفي لا ينبثق فجأة ولا ينقدح في الذهن على حين غرة كالوحي ولا ينبت كالفطر.. كانت هناك سيرورة للفكر تفضي إلى إكتشاف المشكل أو انبثاقه…
– يعبر عن هذه السيرورة بالمفارقة أو الإحراج أو التوتر او الدهشة..،
– وجود مثل هذه السيرورة يفرض على مقدمتنا أن تتضمن -إلى جانب الصياغة الاستفهامية للمشكل الفلسفي في متوالية من الأسئلة المترابطة- نوعا من التمهيد تكون وظيفته تبرير وتسويغ الإشكال

نستطيع إذن القول أن لمقدمة تتكون من:
أولا- تمهيد تفتتح به المقدمة من سطرين إلى أربعة أسطر (تقريبا وتبعا للحجم الكلي للإنشا الفلسفي)
ثانيا- طرح للإشكال ، في شكل جمل استفهامية تطرح في أعقاب التمهيد وهي نهاية المقدمة
غالبا ما يطرح التلاميذ الإشكال بشكل صحيح إلى حد ما، ولكنهم يفشلون فشلا ذريعا في كتابة تمهيد مناسب لهذا الإشكال المطروح

كيف نمهد؟ أو معضلة البداية والانبثاق
إن التمهيد بوصفه مقدمة للمقدمة لهو معضلة حقيقية، وفي كل شيء يتكون ويظهر بعد أن لم يكن، نجد أن الانبثاق هو اللحظةالحرجة! في خروج الجنين من رحم أمه، في تمزيق النبتة لغلاف البذرة، في الإعلان الأول عن الحب للمحبوب..! دعونا نبدأ بمثال أكثر دراماتيكية:
أريد أن اقترض مالا من صديقي، أريد أن “أسأله” مالا، قائلا: هل لك أن تقرضني بعض المال؟
ولكن قبل أن أطرح عليه هذا “الإشكال” العويص في زمن عز فيه الدرهم ، لابد من تمهيد

إذا اتبعنا التمهيدات النمطية، فهناك مقدمة جاهزة مثل:
المال مهم وكل إنسان يحتاج إليه، والعثور عليه صعب.. هل يمكنك أن تقرضني بعض المال !؟

أعترف مرة أخرى أن هذا التمهيد مقبول، ولكن هل يمكنني أن أستعمله في جميع المناسبات، سواء كنت أحتاج المال لأداوي إبني أو لأكمل دراستي أو لأسافر أو لأدفع ثمن غرامة مخالفة قانون السير ..!؟

لنأخد الحالة الأخيرة، أليس من الأفضل أن أقول لصديقي: لقد اشتريت سيارة، ولكني لازلت لاأتقن فن القيادة جيدا و لقد أكثروا من إشارات المرور في مدينتنا الصغيرة التي لاتستدعي ذلك، بحيث لم أنتبه إلى الضوء الأحمر .. وهكذا وجدت الشرطي يوقفني ويسجل لي غرامة… ألا أجد عنك مبلغ كذا وكذا لإنقاذ الموقف !؟

ما الأفضل؟ هذا التمهيد أم هذا:
المال مهم وكل إنسان يحتاج إليه، والعثور عليه صعب.. هل يمكنك أن تقرضني بعض المال !؟
صحيح أن هذه مقدمة مقبولة، وهي خير من أن أقول: “الجو ممطر والبرد قارس وهناك سيارات كثيرة تمر في الشارع، هل يمكنك أن تقرضني بعض المال !؟ :lol:
أرى بعضهم يضحك ولكن هذا مايفعله الكثير من التلاميذ للأسف الشديد بحيث لاتجد أي علاقة بين التمهيد والإشكال المطروح

إلام أريد أن أخلص؟
ما أريد قوله أن التمهيد تمليه طبيعة الموضوع أي مضمون النص
عليّ أن أقرأ النص أولا لأرى ماهو المدخل المناسب إلى إشكاليته

وهناكك مئات بل آلاف المداخل الممكنة إلى إشكالية النص
خير تمهيد هو ذاك الذي يكشف عن مفارقة أو تناقض أو صعوبة نظرية أو عملية أو لبس أو إحراج… مما يجعل طرح الأسئلة طرحا ضروريا ومشروعا لحل هذا التناقض أو لفهم هذه المفارقة، وهذه الأسئلة هي النص أ والقولة أو أسئلة السؤال المفتوح وليست أبدا أو بالضرورة أسئلة الملخص
لهذا السبب فالمقدمة هي آخر ماينبغي كتابته أثناء مرحلة التخطيط الأولي بعد أن يكون الموضوع الإنشائي شبه مكتمل في المسودة

أختم بهذا النموذج التطبيقي لمقدمة إنشاء فلسفي اقتبستها م نالكتاب المدرسي غير الرسمي منهج الفلسفة (الشعبة الأدبية ص 81)
السؤال المطروح في الفرض هو قولة مذيلة بسؤال:

يقول كارل بوبر: ينفضح خطأ التصور العلمي أثناء البحث عن الحقيقة”
إلى أي حد يستفيد العلم من أخطائه ؟

وهذه على سبيل المثال مقدمة تتكون من تمهيد (باللون الأخضر ) وطرح للإشكال (باللون الأزرق) ولنلاحظ المؤشرات اللغوية الدالة على المفارقة باللون الأحمر !!

إذا كانت ‏ المعرفة الإنسانية قد برهتن على قدرتها على إنتاج النظريات العلمية وعلى اكشافها للعديد من الحقائق في شتى مجالات العلوم الدقيقة، فإن هذا التطور العلمي الذي كان يسعى إلى الدقة والموضرعية قد كشف عن مجموعة من الأخطاء والهفوات التي سقطت فيها النظريات العلمية. هل استطاع العلم إذن تحقيق ما يسعى إليه من دقة وموضوعية ؟ وإلى أي حد تعتبر الأخطاء والأزمات التي تعترض سبيل العلم عاملا ساعدا على تطوره ونضجه ؟

أملي ان تثير هذه الأرضية نقاشا في مستوى المهام الملقاة على عاتقنا كما في مستوى انتظارات تلامذتنا وخصوصا النجباء منهم

Facebooktwitterredditmailby feather

النص، القولة والسؤال: منهجية واحدة أم ثلاث منهجيات؟

النص، القولة والسؤال: منهجية واحدة أم ثلاث منهجيات؟

لعل الكثير من زملائي المدرسين عاينوا بعض التلاميذ، الذين يختارون الإجابة على صيغة السؤال المفتوح، وهم يكتبون:
" يرى صاحب السؤال…."
أو
" يؤكد صاحب السؤال أن …"
أو:
"يتبن من تحليل و مناقشة الموقف المعبر عنه في السؤال أن.."
أو حديث التلميذ عن حجج في قولة تتكون -بالكاد-من عبارة واحدة !! :icon_scratch:

يعود سبب هذه النقائض التي نعابنها في كتابات التلاميذ إلى عدم التحديد الواضح والدقيق لما تشترك فيه وما تنفرد به كل واحدة من الصيغ الثلاث ، بحيث يبدو كما لو كان التلميذ يعالج صيغة القولة أو السؤا ل المفتوح بنفس المنطق الذي يعالج به صيغة النص للتحليل والمناقشة :icon_rolleyes:
لا أنكر وجود مقتضيات منهجية مشتركة بين الضيغ الثلاث، لكنها مقتضيات عامة جدا ولا تنفي خصوصية كل صيغة؛ووجود مثل هذه المقتضيات المشتركة، يسمح لنا بتحديد قواعد مشتركة تخضع لها المقدمة و الخاتمة، بيد أن خصوصية كل صيغة، تجعل العرض خاضعا في كل صيغة لمقتضيات ومنطق خاصين.
وسأعرض في ما يلي المقتضيات العامة المشتركة وخصوصية كل صيغة على حدة، وأختم المقال ببحث قضيتين شائكتين وهما: هل يتضمن السؤال المفتوح أطروحة؟ أي هل يمكننا الحديث أثناء معالجة السؤال عن أطروحة مؤيدة وأخرى معارضة؟ وما مشروعية الحديث عن مناقشة داخلية للقولة؟

المقتضيات المشتركة بين الصيغ الثلاث
سواء اتخد الإنشاء الفلسفي النص او القولةأو السؤال المفتوح موضوعا له، فلا مفر له من أن:
-يتضمن طرحا إشكاليا وبناءا إشكاليا ثم خلاصة
-ضرورة حضور الكفايات الفلسفية الأساسية وهي
– الأشكلة، وخصوصا القدرة على إثارة المفارقات والكشف عن الصعوبات وبناء تقابلات والنقد
-المفهمة : القدرة على تحويل الكلمات إلى مفاهيم ذات دلالة واضحة، أو تعريفها و الحفر في دلالتها وبناء علاقات بين هذه الدلالات من قبيل علاقات التقابل أو التضمن أو التقاطع أوالتفرع…؛
-المحاججة و التي تعني حرص التلميذ على دعم ما يعرضه من أفكار بأدلة وحجج عوض عرضها بشكل دوغمائي؛
– وحدة الموضوع وتنامي الفكرة طوال الإنشاء والحرص على التدرج والانتقال المنطقي السلس من فقرة لأخرى؛
– استدعاء الثقافة الفلسفية المكتسبة والتعامل معها بشكل وظيفي وفق مبدأ الملاءمة بما يشهد على الاستيعاب الجيد، بعيدا عن السردية والحشو والدوغمائية (حجة السلطة)؛
– إقحام الذات في فعل المساءلة و التفكير بشكل صادق، بحيث يظهر الإنشاء كبحث حقيقي فعلي عن حل للإشكال، عوض أن يتعامل التلميذ بقفازات بيضاء مكتفيا بتنظيم حلبة ملاكمة بين الفلاسفة؛
– تطعيم التفكير الفلسفي المجرد والشمولي (بطبيعته) بمعطيات ملموسة وجزئية من الواقع (أمثلة) أو من التجربة الشخصية الذاتية.

خصوصية كل واحدة من الصيغ الثلاث

رغم ما يوجد بين الضيغ الثلاثة من قواسم مشتركة والتي ليست في النهاية سوى المطالب والمقتضيات المشتركة لكل تفكير فلسفي، توجد مطالب خاصة بكل صيغة لا معنى لها إلا بالنسبة لهذه الصيغة أو تلك

1-النص: يتضمن النص أطروحة وحشدا من المفاهيم وعلاقات دلالية ومنطقية تربط بينها أي حجاجا، لذا يمكن الحديث عن مرحلة أولى نسميها التحليل تخصص للاشتغال على المفاهيم والحجاج ومسار تشكل الأطروحة ونمو الفكرة داخل النص..إلخ من أجل فهم النص و بناء معناه لننتهي إلى استيضاح أطروحته وتعيينها بشكل دقيق، ثم الحكم على قيمة هذه الأطروحة، وهي العملية التي نسميها "المناقشة"

2– القولة: مثل النص، تتضمن القولة أطروحة محددة، بيد أن القولة -بخلاف النص-مقيدة اولا بالسؤال المذيل لها والذي يوجه اشتغالنا على القولة، ثم إن الحجاج غائب بسبب قصر حجمها، فينصرف التحليل إلى بناء الحجاج المفترض مما يعني أيضا اضطرار التلميذ إلى توظيف المكتسبات المعرفية أو ما يمسى بـ "المواقف" منذ لحظة التحليل كمعطيات -من بين معطيات أخرى-لبناء هذا الحجاج المفترض وتسويغ ما تذهب إليه القولة أي أطروحتها!!
ثم الحكم على قيمة هذه الأطروحة وهي العملية التي نسميها – كما في صيغة النص- بــ "المناقشة"
وسأعود إلى خصوصيات صيغة القولة في آخر هذه المقالة

3- السؤال المفتوح: لايتضمن السؤال أطروحة (لأسباب سأذكرها بعد قليل)، مما يعني ان مفهوم الأطروحة يصبح عديم المعنى، وكذلك مفهوم "مواقف مؤيدة" و "مواقف معارضة". مؤيدة لأي شيء!؟ ومعارضة لأي شيء!؟ :icon_rolleyes: وبسبب غياب الأطروحة يتعذر الحديث عن شيء إسمه التحليل والمناقشة، اللهم لا إذا أفرغنا هاتين الكلمتين من مضمونيهما اللذين حددناهما أثناء حديثنا عن النص والقولة!! :icon_wink:
بعبارة أخرى فالسؤال المفتوح يقتضي عمليتبن تفضي إحداهما إلى الأخرى، أو يتم إنجازهما بشكل متداخل، وذلك أثناء الجزء المسمى بالعرض:
أ- الاشتغال على مفاهيم السؤال بهدف:
– إعادة صياغته في أسئلة محددة، والهدف هو تحويل السؤال إلى إشكال فلسفي أو الكشف عن المشكل الفلسفي الثاوي خلف السؤال؛
-استجلاء دلالات المفاهيم الواردة في السؤال و اقتراح علاقات ممكنة بين هذه المفاهيم والتي هي أجوبة ممكنة على الأسئلة المثارة
ب- استعراض هذه الأجوبة الممكنة واحدا بعد الآخر بشكل جدلي أي الحرص على إقامة حوار وجدلية بينها، عوض سردها أو رصفها بجانب بعضها البعض !
(يمكن للبعض أن يجعل المرحلة "أ" مكونا من مكونات المقدمة، فيصبح العرض مقتصرا فقط على "ب").
يتبين إذن أن لكل صيغة خصوصيات تقتضي التمييز بينها منهجيا واستخدام مصطلحات خاصة ملائمة أثناء الحديث عن منهجية كل واحدة منها

خصوصية صيغة السؤال المفتوح: هل تتضمن الأسئلة أطروحة !!

من الناحية الصورية، تختلف الأسئلة المفتوحة باختلاف أدوات الاستفهام التي تستهل بها: هل، لماذا، ماذا يعني، إلى أي حد، من.. إلخ، ولكن لنقتصر هنا على أشهر أداة مستعملة في التقاليد المدرسية المغربية، وهي "هل"
وهي أداة استفهام يطلب بها التصديق إي إثبات خبر لمبتدأ أو محمول لموضوع، ويكون الجواب "بنعم" في الإثبات و "لا" في النفي.

ولكن في جميع الأحوال، فالاستفهام ليس أسلوبا خبريا بل أسلوبا إنشائيا ! فكيف له أن يتضمن اطروحة !!؟
عندما أسأل: متى يصل القطار؟ أو هل زيد موجود؟ فأي أطروحة هنا !!؟ :icon_rolleyes: أليست الأطروحة إثباتا وتوكيدا لأمر ما أو لعلاقة أو نسبة بين شيئين !؟ فما ذا يثبت السائل هنا !؟
السؤال لايثبت شيئا اللهم إلا إذا كان سؤالا تقريريا (أي أن تدفع السائل إلى الموافقة والإقرار وهو ضد الإنكار) مثل "أليس الله بأحكم الحاكمين؟"، فهنا السائل يتبني بالفعل اطروحة أي دعوى: "ان الله هو أحكم الحاكمين" ويريد من المجيب أن يقر له بذلك. ولكن هنا يكون الاستفهام قد خرج عن "قوته الحرفية" وأفاد معنى جديدا يقتضيه المقام الحواري التداولي…

لنتأمل سؤالا مثل: هل العدالة هي احترام القوانين؟
"العدالة احترام للقوانين" هذا هو الأمر المستفهم عنه، والسائل لم يثبت النسبة بينهما، بل يسأل عن إثبات أو نفي النسبة أي العلاقة بين العدالة و احترام القوانين

إذا اتفقنا على أن السؤال لا يتضمن أطروحة، فهذا يؤازر ما ورد في ملاحظتي الأولى وهي أنه لا معنى للحديث عن " مواقف مؤيدة " و " مواقف معارضة" أثناء الاشتغال على صيغة السؤال المفتوح.

وعلى كل حال، فمذكرة الأطر المرجعية (رقم 159) تذكر في صفحتها السابعة كمكون أول من مكونات المناقشة في السؤال المفتوح، مايلي:
مناقشة الأطروحة المتضمنة احتمالا في الموضوع
فقد استخدمت أسلوب تخصيص واحتياط وهو كلمة: "احتمالا" كما أنها تحدثت عن أطروحة متضمنة احتمالا في "الموضوع" وليس في "السؤال" ولعلهم يقصدون بذلك الموضوع الإنشائي للتلميذ وليس موضوع السؤال، بدليل أنه لم يرد قبل هذه الجملة أي ذكر لكلمة "موضوع" أو " أطروحة"
بل إن المذكرة واضحة عندما تتحدث في المكون الثاني للمناقشة عن :
" طرح إمكانيات أخرى تفتح أفق التفكير في الإشكال"
مما يعني أنه قد سبق طرح إمكانيات معينة في المرحلة الأولى أي التحليل

بناءا على ما سبق،لا أفهم كيف يقال: إن السؤال يتضمن أطروحة! والبعض يمضي إلى حد القول: يتضمن السؤال أطروحة أو عدة أطروحات !
من المؤكد أن القائل لا يقصد ما يقول! ولكن في اللغة العربية متسع ليصوغ فكره بدقة حتى يقول ما يقصد. لنتأمل العبارة مرة أخرى:
"السؤال يتضمن أطروحة أو عدة أطروحات
أولا كلمة "يتضمن" في اللغة العربية تعني : يحمل أو حامل، ضِمنه، في ثناياه، بداخله… ومنها جاءت -ربما- كلمة "المضمون"
فهل السؤال يحمل في ثناياه أطروحة بهذا المعنى!؟
ثم هل ننسى بأن هؤلاء التلاميذ الذين ندرسهم الفلسفة، سبق لهم أن عرفوا في مادة اللغة العربية مايلي:
– الأساليب نوعان: خبر وإنشاء. الأول يحتمل الصدق والكذب، أما الثاني، فلا. والاستفهام واحد من الأساليب الإنشائية، بمعنى أنه لا يحتمل الصدق أو الكذب لأنه ببساطة لا يتضمن خبرا أي أطروحة
على هذا الأساس، لم لا نقول بكل بساطة:

يستدعي أو يحتمل السؤال جوابا أو عدة أجوبة، ويمثل كل جواب أطروحة فلسفية على المجيب أن يدلل عليها.

طيب. لماذا كل هذا الخلاف اللفظي؟ ولم الحرص من جانبي على دقة التعبير !؟
عندما أقول : "يستدعي"، فهو يستدعي من المجيب ! المجيب هو الذي سيقوم ببناء الجواب أو الأجوبة (تماما كما يقوم في صيغة القولة ببناء الحجاج المفترض، مع فارق مهم وهو أن القولة تتضمن فعلا وتنتصر لأطروحة في حين أن السؤال لا يكون متضمنا أو موحيا بأية أطروحة او جواب
في هذه الحالة لن ينسب المجيب -أي التلميذ- للسؤال أو صاحب السؤال أطروحة.
وأخيرا فإن المجيب لن يعتقد مثلما حدث لتلميذي اليوم الذي يبدو أنه تأثر بالأدبيات الرائجة أكثر مما تأثر بما أقوله، عندما سألني اليوم أثناء إنجاز الفرض المحروس وقد كان عبارة عن سؤال مفتوح:
"لا حاجة للمناقشة الداخلية أثناء الجواب على السؤال، سنكتفي بالمناقشة الخارجية، أليس كذلك يا أستاذ؟!"
فأجبته وأنا بالكاد أكتم غيظي :icon_rambo:: " ومن طالبك أصلا بهذه أو تلك، ثم إذا كانت داخلية، فداخل ماذا؟ وإذا كانت خارجية فخارج ماذا !؟
أعود للقول بأن:

"يستدعي أو يحتمل السؤال جوابا أو عدة أجوبة، ويمثل كل جواب أطروحة فلسفية على المجيب أن يدلل عليها، يتم عرض هذه الأطروحات واحدة عقب الأخرى بشكل جدلي أي بجعل كل أطروحة تحاور الأخرى، بطرق من طرق الحوار كالنقد أو التجاوز أو التكامل."


وبذلك نتجنب التشويش على عقول التلاميذ بحديث من قبيل: أطروحات متضمنة في السؤال! مواقف مؤيدة وأخرى معارضة! مناقشة داخلية أو خارجية…

خصوصية صيغة القولة المذيلة بسؤال والمطلب الغريب: المناقشة الداخلية للقولة!!
ملاحظة أخيرة، بخصوص القولة: يستحسن ألا نتحدث في صيغة القولة عن "مناقشة داخلية" لأن القولة تقريبا لاداخل لها !! خصوصا وأن المقصود بالمناقشة الداخلية في صيغة النص هي الحكم على وتقييم أفكار النص في ذاتها أي فقط في علاقتها بالحجاج الموظف للتدليل عليها ( قوي، ضعيف، متحيز، انتقائي، تعميم متسرع، مصادرة على المطلوب، سفسطة sophismes ..)،
بمعنى أننا "نحاسب" صاحب النص انطلاقا مما قاله هو نفسه، والحال أن القولة هي أطروحة بدون حجاج (تقريبا)، مما يعني أننا نقوم ببناء الحجاج المفترض ثم نحاكم الأطروحة التي انتهينا قبل قليل من التدليل عليها.
قد يقول قائل: وهل فقدنا عقولنا لكي نعيد بناء الحجاج المفترض وندلل على صحة الأطروحة، ثم نقوم بعد ذلك مباشرة بمحاكمتها وتقييمها وأحيانا نقدها ونقضها !!؟
والجواب هو أن ذلك يدخل ضمن ما يسمى بــ:
-القدرة على وضع الذات موضع الآخر
– القدرة على فهم مببرات الرأي الآخر حتى وإن كنت لا أتبناه
– وأخيرا القدرة على المحاججة بغض النظر عن الدعوى !! (والتي ورثها الفلاسفة عن السوفسطائيين)<

هذا ما قادني إليه اجتهادي، وككل اجتهاد، فهو يحتمل الصواب والخطأ، والنقاش وحده من يقرر ذلك

Facebooktwitterredditmailby feather

الكتابة الإنشائية لتلامذتنا في الامتحان الوطني: العود الأبدي لنفس الأخطاء ! !

الكتابة الإنشائية لتلامذتنا في الامتحان الوطني: العود الأبدي لنفس الأخطاء ! !

مالذي يمنع التلميذ من التفكير الفلسفي يوم الامتحان: الجهل أم الرعب أم الكسل المعرفي؟؟
   تجرأ على استعمال عقلك

أقدم بين أيديكم زملائي المدرسين أعزائي التلاميذ لائحة غير حصرية بالأخطاء التي ألفتها لكثرة ما صادفتها في كتابات التلاميذ!!! والتي يمكن تجاوزها بالقليل من التركيز وإعمال العقل عوض الاستسلام لرد فعل الفزع والاحتماء وراء الأمان الموهوم للملخص المكدس في الذهن أو في… الجيب!!ء

الهفوة الأولى
الإهمال التام للنص أو السؤال أو القولة والاحتماء وراء الأمان الموهوم للملخص:

في امتحان هذه السنة – كما في سابقاتها- لم تدم علاقة بعض المترشحين بورقة أسئلة الإمتحان – فيما يبدو – سوى بضع لحظات، اعتبرت كافية لتخمين “الدرس” أو “المحور” المقصود، ثم نحيت جانبا!!! وهكذا استنتج من اختار السؤال الأول أنه يدور حول علاقة الحقيقة بالواقع وبما ان هناك محورا في الملخص يحمل عنوانا مماثلا،فقد هرع إليه مستظهرا إياه دون ان يكلف نفسه من حين لآخر عناء الإحالة على السؤال سواء في الخلاصات المرحلية في آخر كل فقرة أو عند الخلاصة النهائية في آخر الموضوع
لم أقرأ ورقة التقط صاحبها أنفاسه في منتصف العرض ليقول : يتين مما سبق أن الحقيقي هو الواقعي ولكن… أو يقول فبي الختام: إنطلاقا من مجموع المواقف التي أتينا على ذكرها بشأن علاقة الحقيقي بالواقعي ومنزلة الواقع نخلص غلى أن..
أما من اختار النص فقد استخلص منه سريعا أنه يناقش موضوع الشخصية ، العوامل المساهمة في بنائها أو دور الشخص في بناء شخصيته ثم هرع إلى محور في الملخص يحمل عنوانا مشابها وانطلق لا يلوي على شيء حتى أدرك نهاية الموضوع…
وكان النص لايضيف إلى معرفتنا أي جديد! وكأن النص لايتضمن إشكالية أصيلة ربما لم تطرق في الملخص بشكل مقصود وهي” وحدة او تعدد الشخصية” وكأن النص لا يثير الانتباه إلى ” البعد الزمني للشخصية” وكيف أن الشخصية هي إمكانيات أو مشروع يعاش في المستقبل أكثر مما يعاش في الحاضر… وكأن النص لا ينتقد ضمنيا مقاربة العلوم الإنسانية التي تتناول الشخصية في بعدها الحاضر مثلما يتناول العلم الطبيعي موضوعاته، وكأن النص لا يتضمن مثالا عن الطالب الذي هو أنا!!! والذي و إن كان تلميذا اليوم أي في الحاضر، لكن مايفعله وهو يجتاز الامتحان الآن يلغي حقيقته كتلميذ لأنه لا يتصرف بوحي من وضعية التلمذة بل بوحي من الامكانيات المستقبلية التي يضعها نصب عينيه وكأن وكأن…
هذه كلها معطيات غنية وجديدة، أنا نفسي كمصحح أستكشفها لأول مرة في النص ، مركبة ومصاغة على هذا النحو..!! وكأني بالمترشح يخاطب النص قائلا: اخرس مكانك أيها النص المراوغ! ألا تتحدث عن الشخصية ؟ طيب، لدي الكثير في ملخصي مما أقوله عنها…بحيث يغنيني عنك !!
وكأني بالمترشح يختزل النص إلى سؤال مباشر مفاده: ” استعرض ما تعرفه عن الشخصية أو عن دور الشخص في بناء شخصيته؟!!!ء

الهفوة الثانية:
مقدمة جاهزة مسبقا: المقدمة الصالحة لجميع المواضيع لاتصلح في الواقع لأي موضوع!!

هي تلك المقدمات التي تشبه المفاتيح التي تفتح كل الأبواب pass-partout وكأن المقدمة تنتمي إلى فئة الملابس الجاهزة. وكأنها معدة قبليا ولايوحي بها النص أو السؤال بعديا، وكأنني عندما أقصد أحدهم لأقترض منه بعض المال، أقصده مسلحا بمقدمة جاهزة، عوض أن استوحي المقدمة من سياق الحديث الذي لايمكنني التنبؤ به قبليا!!ء مقدمات مثل هذه تتكرر بشكل يدعو إلى الملل بل و ” تنوم” يقظة المصحح واهتمامه بالموضوع: ” أثار موضوع …كذا وكذا… جدلا واسعا بين الفلاسفة الذين تناوله كل واحد منهم من وجهة نظره الخاصة، ترى ما هي…؟…”
للمقدمة غاية عملية وظيفية لا زخرفية: هي التمهيد للموضوع وابراز أهميته أو إثارة بعض الالتباسات أو المفارقات لتبرير طرحنا للأسئلة التي نصوغها في آخر هذه المقدمة نفسها

الهفوة الثالثة:
التغييب التام للواقع والأمثلة الحية

هل سقط المترشحون ضحية التمثل المشترك الذي يتهم الفلسفة بكونها فكرا مجردا يحلق في سماء النظريات بعيدا عن هموم الناس الحياتية؟ هذا ما ألمسه باستمرار: لا أحد من المترشحين تقريبا غامر إلقاء نظرة من نافذة قاعة الامتحان، فيضرب أمثلة من الواقع! ، لاأحد تقريبا يغامر بفتح نافذة عالمه الداخلي لكي يمزج جفاف الفكر المجرد بطراوة التجربة الذاتية الحية!!ء التي لا يعادلها في حجيتها أحيانا أي برهان أو استدلال منطقي ولا يكافئها في قوتها أي اشتشهاد من أي كتاب كما نرى عند برغسون او الفينومنلوجيين
في جوابهم على سؤال: ” هل الحقيقي هو الواقعي؟” لم يخطر ببال المترشح ذكر القاضي الذي يحث الشاهد على قول الحقيقة أي وصف الواقع كما عاينه فعلا!! لم يخطر ببالهم أيضا السراب وباقي أشكال الوهم التي وإن كانت تتمتع بكل صفات الواقعي من وجهة نظر الانطباعات الحسية الذاتية او من وجهة نظر الرغبة إلا أنها ليست حقيقية مع ذلك ولم يخطر ببالهم … ولم يخطر ببالهم…ْ

الهفوة الرابعة:
استعادة “ببغاوية” ركيكية لجمل النص

وهي أهون الهفوات: يقع فيها بعض المترشحين الذين نحمد لهم وعيهم فعلا ضرورة الاشتغال على النص ولكنهم لسبب او لآخر يعجزون عن إنتاج أي قيمة مضافة أثناء حوارهم مع النص، أقصد انهم يستعيدون جمل النص مع بعض التحوير الركيك في العبارة أحيانا؛ وعند الفراغ من هذا الواجب الإلزامي الثقيل، تطل فقرات الملخص واحدة بعد أخرة دون أي جسور أو وشائج مع ما قيل من قبل. بحيث يصبح القارئ أمام جزئين منفصلين تمام الإنفصال، لكل منهما حياته الخاصة!! بحيث يمكن حذف أحدهما او قراءته منفردا دون حرج
لقد اكتفيت بالوصف في عرضي لهذه الهفوات، أما تشخيص الأسباب واستشراف الحلول فذاك موضوع آخر سيأتي مجال تفصيله مستقلا
هذه أهم الهفوات التي استطاع نظري المتواضع ان يرصدها أضعها بين يدي زملائي للتعليق عليها أو غلإضافة إليها ولكني بالدرجة الأولى أضعها بين يديكم أعزائي المتعلمين لتجاوزها

Facebooktwitterredditmailby feather

مقاربة قولة فلسفية من خلال بنيتها المنطقية

مقاربة قولة فلسفية من خلال بنيتها المنطقية

أهلا بالتلاميذ الأعزاء وبالزملاء الكرام
في مايلي معطيات سبق لي تناولها مع تلامذتي في القسم في الآونة الأخيرة، أعرضها هنا تعميميا للفائدة

وفق مذكرة الأطر المرجعية، سيكون تلامذة مسلكي الآداب والعلوم على موعد مع سؤال يتضمن مطلبين، يهمنا هنا المطلب الأول الذي يأتي بصيغة:
– اشرح مضمون القول و..
أو
– أوضح مضمون القول و ..

السؤال الآن، كيف لي أن أوضح قولة تتكون من سطر أو سطرين في أغلب الأحوال؟
ماذا عساني أشرح فيها؟ :icon_scratch:
للتبسيط مرة أخرى، أقول عليك أن تنشغل بثلاثة أمور:
1- الوقوف عند دلالات المفاهيم التي تتكون منها القولة. وقد بينت كيفية ذلك في هذا الموضوع: كيفية إنجاز مطلب التحليل في صيغة القولة المذيلة بسؤال
2- الانتباه إلى البنية المنطقية للقولة؛
3- بناء الحجاج المفترض أي الأدلة والحجج والاستدلالات والاستشهادات والأمثلة التي من شأنها دعم وتبرير وتسويغ أطروحة القولة.
ملحوظة: العمليات الثلاثة متداخلة وأحيانا متزامنة :icon_santa:

سأشرح لكم اليوم العملية الثانية وهي : الانتباه إلى البنية المنطقية للقولة
الهدف من هذا الاشتغال معرفة:
-هل القولة تثبت أم تنفي أم تفترض أم تعمم أو تخصص..إلخ
– ماهي العلاقة أو العلاقات بين مفاهيم القولة أو قضاياها أو عباراتها؟
وكل هذا في أفق استجلاء أطروحة القولة

لنضرب أمثلة، فهذا أفضل من الاستمرار في التنظير :icon_scratch: :
المثال الأول:
بإمكان العنف أن يدمر السلطة، لكنه بالضرورة عاجز عن خلقها
أداب يونيو2008
كما ترى ، تتكون القولة من عبارتين، يجمعها رابط منطقي هو أداة الاستدراك”لكن”
يستعمل الاستدراك لنفي ما سبق أو الحد من قيمته أو صدقيته أو صلاحيته مقابل التأكيد على ما سيأتي.
ما الذي سبق؟ ما سبق قوله أن بإمكان العنف أن يدمر السلطة، أي أن يلغي سلطة قائمة. لاحظ هنا صيغة الإمكان، يعني من المحتمل، في بعض الحالات. والإمكان هو ما يتساوى وقوعه وعدم وقوعه
نعلم أن ما يأتي بعد الاستدراك، يكون أقوى في السلم الحجاجي وأقرب إلى اعتقاد المتكلم
ماذا أتى بعد الاستدراك؟ أتى “أن العنف عاجز بالضرورة عن خلق سلطة غير موجودة بعد”، لاحظ صيغة الضرورة في الشق الثاني مقابل صيغة الإمكان. والضروري هو مالا يمكن تصور عدم وقوعه !
ماهي أطروحة القولة؟ يسلم صاحب القولة بحكم على سبيل الإمكان وهو قدرة العنف على تدمير سلطة قائمة، لكنه يستدرك ليثبت حكما ضروريا وهو أن العنف عاجز عن خلق وتأسيس سلطة غير موجودة بعد
ومنه نستنتج أن وظيفة العنف وظيفة سلبية وليست وظيفة إيجابية، وظيفة إلغاء وإعدام لا وظيفة خلق وإيجاد..
والآن لماذا لا يتمتع العنف سوى بوظيفة سلبية؟ علي هنا أن أبني الحجاج المفترض الداعم لهذه الفكرة/الأطروحة قبل مناقشتها لاحقا

تمرين:
تأمل في البنية المنطقية للقولة التالية مستفيدا مما رأيناه قبل قليل:
“إن اللغة هي ما يجعل من الإنسان إنسانا، غير ان هذا الأخير كان بإمكانه أن يبدع اللغة حتى لو لم يكن إنسانا قبل ذلك”
آداب يونيو2006

المثال الثاني:
الإنسان إرادة حرة، وسلوكه لا يمليه شيء آخر سواه: فالحرية تفترض استقلالية الإرادة
آداب يوليوز 2009

لعلك تلاحظ ان هذه القولة تتكون من ثلاث قضايا أوعبارات
بين الأولى والثانية أداة عطف أو وصل هي الواو وبين هذين والثالثة وأداة تفسير هي حرف الفاء. يمكن أن تكون فاءا “سببية” لكن وظيفة التفسير تؤكده أيضا نقطتا التفسير (:). وتقدير الفاء هنا “ذلك أن..”
يقرر صاحب القولة أولا الإنسان إرادة حرة. لاحظ أنه لم يقل الإنسان هو إرادة حرة. مما يعني أن الإرادة ليست فقط صفة للإنسان، بل هي ماهيته! إذن فهو يطابق بين الإنسان والإرادة. جوهر الإنسان هو الإرادة.
على هذا التقرير عطف صاحب القولة قضية أخرى، وهي أن السلوك الإنساني لا تلميه ولا يصدر سوى عن الإنسان، وحيث أنه سبق أن طابق بين الإنسان والإرادة سنقول إن سلوك الإنسان لا تمليه سوى الإرادة وهذا يذكرنا بقولة بوسييه..إلخ لاحظ كيف أن صاحب القولة ينفي كل المحددات والحتميات لتفسير وقوع السلوك، ويرده إلى الإرادة وحدها…
فسر صاحب القولة هاتين القضيتين بقضية ثالثة تفيد “الحرية تفترض استقلالية الإرادة”، أي استقلالية الإرادة عن المحددات والحتميات سواها. و إذا قلنا (أ) تفترض (ب) معناها أن (ب) شرط (أ)، يستدعي وجود (أ) وجود (ب) أولا. أن التفكير في (أ) يستوجب التفكير في (ب).. إلخ
لاحظ كيف أن مفهومين من مفاهيم القضية الثالثة متضمنة في القضيتين الأولى والثانية: فمفهوم الحرية متضمنة في القضية رقم2، بينما مفهوم الإرادة متضمنة في القضية رقم1
أما المفهوم المركب بالإضافة: استقلالية الإرادة فمتضمن في القضية رفم2
وهذا يؤشر على التماسك المنطقي للقولة إذا ما أردنا مناقشتها وتقييمها.
ماهي أطروحة القولة إذن؟ أطروحتها كامنة في القضية رقم 1 لأن القضية رقم2 معطوفة على رقم1 ورقم ثلاثة تفسير لهما معا !!
أطروحة القولة كامنة في المطابقة بين الإنسان وحرية الإرادة، ماهية الإنسان هي الحرية أو هي إرادته الحرة، وينجم عن ذلك أن سلوكاته لا تمليها سوى إرادته، وتفسير ذلك أن الحرية تفترض كشرط لها استقلالية الإرادة (ربما تعرفت على دلالة هذا المفهوم عند كانط)

تمرين:
حاول الاشتغال على البنية المنطقية للقولة اتلالية مستعينا بما رأينه في المثال2
إن إقامة السلطة هي التي تزيل العنف، بحث تبدو بمثابة قوة لمحو العنف عبر تأسيس الحق”
تأمل في وظيفة “حيث”

المثال الثالث:
ليست النظرية معرفة، بل ما يتيح المعرفة.. إنها ليست حلا لمشكل، بل إمكانية لمعالجته
علوم- يوليوز2009

هنا ينبغي التمعن قليلا! نحن أمام قولة مكونة من شقين لهما نفس البنية المنطقية ” ليست… بل..”. وكل شق منهما مكونة بدوره من عبارتين
نعرف أن “بل” في النحو أداة إضراب. للتوضيح أكثر سنقول إنها إضراب عما سبق أي نفي لما سبق من أجل إثبات ما سيأتي
لنتأمل الشق الأول
ليست النظرية معرفة، بل ما يتيح المعرفة
مالذي تم نفيه؟ أن تكون النظرية معرفة. ومالذي قد يشكل معرفة؟ ما عسى النظرية تكون إن لم تكن معرفة؟ ما المعرفة يا ترى؟
الجواب إنها فقط أداة تتيح إمكانية المعرفة، منهج لتحصيل المعرفة وليست معرفة بحد ذاتها. لعل هذا يذكركم بالتصورات الوضعية مع بيير دوهيم مثلا حيث تقتصر وظيفة النظرية على وصف القوانين التجريبية بواسطة أقل عدد ممكن من المبادئ
بعيارة أخرى، فمادة المعرفة تكمن في التجربة.
نتابع،
في الشق الثاني نقرأ:
.. إنها ليست حلا لمشكل، بل إمكانية لمعالجته
هنا أيضا نفي وإثبات، نفي لكون النظرية حل المشكلات (سواء كانت مشكلات علمية صرفة أو مشكلات تكنلوجية) وإثبات لكونها إمكانية لمعالجة المشكل
ما عساها تكون النظرية إن لم تكن حلا لمشكلات؟ من المحتمل أن صاحب القولة يمنح للتجربة هذا الدور أي القدرة على حل المشكلات، بعد أن تقدم النظرية إمكانية وإطارا للحل. وبالفعل ينضح تاريخ العلم بأمثلة لنظريات ساهمت في دفع التجربة إلى إيجاد الحل الملائم. أشهرها مشكلة عدم ارتفاع الماء في المضخات إلى أكثر من 32 قدما (حوالي 10 متر) زمن غاليلي وتورشلي. فقد ساهمت تجربة أنبوب الزئبق المغمور في حوض زئبق في اكتشاف أصل المشكل الذي هو الضغط الجوي…
ماهي أطروحة القولة إذن؟ إنها نفي ورفض للأطروحة القائلة باحتواء النظريات على معرفة ما، إنها مجرد أداة أو منهج للمعرفة…

أتمنى أعزائي التلاميذ أن تفيدكم هذه الخطوات المنهجية في تحليل القولة لأن جودة التحليل تقاس بمدى توقف التلميذ عند القولة وحفره في معانيها وقدرته على الإنصات لمراميها في أفق استجلاء أطروحتها بأكبر قدر ممكن من الدقة.

والله الموفق :warda:
ملاحظة للزملاء المدرسين: تتداخل البنية المنطقية هنا مع البنية النحوية، ولا عجب في ذلك فالروابط المنطقية هي أصلا روابط نحوية، وقد قال أبو حيان التوحيدي في رسالة “ما بين المنطق والنحو من المناسبة” ضمن المقابسات: “النحو منطق عربي والمنطق نحو عقلي وجل نظر المنطقي في المعاني وإن كان لا يحوز له الإخلال بالألفاظ التي هي لها كالحلل والمعارض، وجل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يسوغ له الإخلال بالمعاني التي هي لها كالحقائق والجواهر” القولة

أتمنى لكم التوفيق :warda:

Facebooktwitterredditmailby feather

كيفية إنجاز مطلب التحليل في صيغة القولة المذيلة بسؤال

كيفية إنجاز مطلب التحليل في صيغة القولة المذيلة بسؤال

أهلا بكم
هذا تدوين آخر لأجزاء من حصص أنجزتها مع تلامذتي أنشرها تعميما للفائدة..

كما هو معلوم، تُطرح عليكم يوم الامتحان ثلاث مواضيع تحتارون من بينها واحدا لتجيبوا عنه. سأركز اليوم على الموضوع الثاني وهو القولة المذيلة بسؤال، وسأركز بشكل خاص على مهارة أو مطلب التحليل
أولا، ماهي القولة؟ وبم تتميز عن النص أو السؤال:
للقولة خاصيتان:
1-الإيجاز الشديد: القولة هي عبارة فلسفية موجزة تتكون في الغالب من جملة إلى ثلاث جمل. وإيجازها يعني أن معانيها مكثفة أو شديدة التكثيف ! إنها تقول أشياءا كثيرة في كلمات قليلة !! بمعنى أن المفردة أو المفهوم الواحد يحيل على معان ودلالات وأفكار شتى (يتعين التفطن إليها وعرضها)
2- غياب الحجاج: القولة ثانيا هي عبارة عن اطروحة بدون حجاج. تتضمن موقفا فلسفيا من قضية أو إشكالية ما، لكن لم تتح لصاحبها المحاججة على أطروحته وموقفه نظرا لضيق الحيز (وعليه يتعين إعادة بناء الحجاج المفترض. كيف؟ سأخصص لذلك موضوعا مستقلا)

سأركز اليوم على الخاصية الأولى أي على خاصية الإيجاز الشديد
ماالمطلوب منك إزاء الإيجاز الشديد للقولة؟
المطلوب منك قبل أن تهرع وتسرع إلى المواقف المؤيدة والمعارضة أن تتوقف قليلا وبكل هدوء لكي “تتوسع في القولة” كما يقال، أي أن تشرحها وتكشف عن مختلف دلالالتها بحيث إذا كانت القولة تمتد على سطر أو سطرين فعليك بسطها في حوالي 10 أسطر. وهذا هو جوهر التحليل
والمعضلة هي: كيف أقوم ببسطها والتوسع يها!؟ :icon_scratch: كيف أستخرج من سطر واحد 10 أسطر !؟ :icon_eek:

لأجل ذلك، أقدم لك هذه التوجيهات المبسطة التالية لتستعين بها على إنجاز هذه المهمة
لكل مفهوم فلسفي ثلاث أنواع من الدلالات، نستحضرهاا كلها أو بعضها من أجل فهم معناه:
أ- ما يشير إليه المفهوم
ب- ما يستدعيه إما على سبيل الاقتضاء أو التلازم..
ج- ما يستبعده على سبيل التناقض
لا تفزع ! سأشرح لك ليس من خلال مثال واحد بل عدة أمثلة:

المثال الأول:
وردت في الامتحان التجريبي الذي بعثت به النيابة القولة التالية:
“لكي تبرر الدولة حقها في مطالبة الرعية بالطاعة، عليها أن تحقق لهم السعادة الدنيوية وتصون كرامتهم”
لنتوقف عند مفهوم الطاعة مثلا، ولاحظوا أننا سنستخرج منه العجب العجاب ! :icon_biggrin:
أ- ما يشير إليه المفهوم: تشير الطاعة إلى الامتثال والخضوع وتنفيذ أوامر
ب- ما يستدعيه إما على سبيل الاقتضاء أو التلازم: تستدعي الطاعة مفهوم السلطة، لاطاعة لمن لاسلطة له ! كما أن تعريف السلطة هو الصفة أو القدرة التي يملكها طرف من أجل إجبار طرف آخر على الخضوع والامتثال وتنفيذ أوامر..
تطوير محتمل أستثمره في التحليل أو المناقشة: لماذا أطيع وأمتثل؟ مامبرر الطاعة؟ أنواع المشروعية..إلخ
ج- ما يستبعده على سبيل التناقض: يستبعد مفهوم الطاعة مفاهيم العصيان، التمرد، الاحتجاج..
تطوير محتمل أستثمره في التحليل أو المناقشة: ماذا لو حدث عصيان أو احتجاج؟ ماهي أساليب الدولة لفرض الطاعة؟ هل تكتفي الدولة بمطالبة المواطنين بالطاعة أم تفرض عليهم الطاعة؟ بأية أساليب؟..إلخ

المثال الثاني:
أثناء الدرس، وبالضبط أثناء البناء الإشكالي في حور العدالة بين المساواة والانصاف، وقفنا عند قولة آلان: “مالحق؟ إنه المساواة ، ولقد ابتُكر الحق ضد اللامساواة”
لنتوقف عند مفهوم قد لا تعيرونه أي اهتمام عند تحليل الفولة ألا وهو مفهوم الابتكار (ابتُكر الحق…)
أ- ما يشير إليه المفهوم: الابتكار هو اختراع وإيجاد شيء لم يكن..
ب- ما يستدعيه إما على سبيل الاقتضاء أو التلازم: الحق الذي هو المساواة حسب آلان هو ابتكار بشري، إنتاج من إنتاجات الثقافة والعقل البشري، ظهر في فترة من الفترات ولم يكن موجودا منذ الأزل
ج- ما يستبعده على سبيل التناقض: ليست المساواة إذن معطى طبيعيا أو أوليا ! بالعكس ماهو طبيعي هو اللامساواة. الأصل هو اللامساواة بين الناس في القدرات الجسمانية (القوة، الجمال..) وفي القدراتا لعقلية… والدليل على ذلك تتمة الجملة: “ابتُكر الحق ضد اللامساواة”

المثال الثالث:
في بداية درس السعادة وفقنا على التعريف التالي:
“ألسعادة حالة إرضاء وإشباعتام للذات في كليتها، اشباعا يتسم بالديمومة..”
لنركز هنا على مفهوم “الكلية” و “ديمومة” مكتفين ب
ج- ما يستبعده على سبيل التناقض:مفهوم الكلية يستبعد الإشباعات الجزئية من قبيل لذة الظل في يوم حار أو لذة شراب أو طعام… أما مفهوم الديمومة فيستبعد أشكال الإشباع والإرضاء التي تتميز باللحظية مثل الفرح حتى وإن بلغت أحيانا درجة تفوق الوصف.. (أطير فرحا :icon_bounce: )

ملاحظة عامة: ما ذكرته سابقا تقنيات من أجل تحليل مفاهيم القولة. ولكن لابد من تنبيه مفاده أن التحليل يتم في الغالب بفضل توظيف المعرفة الفلسفية التي اكتسبناها أثناء الدرس أو دوناها في الدفتر أو قرأناها في ملخص او أي مصدر مكتوب آخر..
لايعني التحليل أن تنسى كل ما درسته في مادة الفلسفة وتتناطح مع القولة أعزلا ! ستنطحك القولة بدون شك وتلقيك أرضا !! :icon_biggrin: وستكتفي باجترار سطحي لمفردات القولة! المعرفة الفلسفة تجعل شرحنا لقولة فلسفية شرحا فلسفيا بدوره !

في المرة القادمة، سأتحدث عن البنية المنطقية للقولة.. التي ينبغي الانتباه إليها من أجل فهم سليم لأطروحة القولة

أتمنى لكم التوفيق :warda:

Facebooktwitterredditmailby feather

كيفية إنجاز مطلبي التحليل والمناقشة في صيغة السؤال المفتوح

كيفية إنجاز مطلبي التحليل والمناقشة في صيغة السؤال المفتوح

التلاميذ الأعزاء
كما هو معلوم، تطرح عليكم في الامتحان الوطني ثلاثة مواضيع تختارون من بينها موضوعا واحدا تجيبون عليه
سأركز اليوم على الموضوع الأول فقط أي السؤال الإشكالي المفتوح
وإذا كان الإنشاء يتكون من مقدمة وعرض وخاتمة، فسأتحدث اليوم بالتحديد عن العرض فقط
كنا تعرفون فالعرض هو المكان المخصص للتحليل والمناقشة
ولكن ماذا سنحلل وماذا سنناقش؟
بشيء من التبسيط سنحلل مفاهيم السؤال لكي نقف على الإشكال الذي ينطوي عليه السؤال ونستكشف مختلف دلالات والأبعاده التي يدعونا السؤال إلى التفكير فيها ثم نناقش مختلف إمكانيات الجواب/الحل التي يحتملها، وكل ذلك بشكل مندمج ومنسجم ثم نخرج في الأخير بحل للإشكال

مثال: هل هناك طريقة واحدة لبلوغ الحقيقة؟
لمعالجة هذا السؤال ينبغي الانتباه في العرض إلى قاعدتين منهجيتين:

القاعدة الأولى: استعراض مختلف الأجوبة الممكنة
أي أن أفحص مختلف الإمكانيات وأقلب الأمر على مختلف وجوهه

لكن قبل ذلك، سنقوم بتحليل مفاهيم السؤال: الطريقة يعني المنهج، الحقيقة تعني .. إلخ
وننتبه إلى أن السؤال يفترض أن بإمكاننا بلوغ الحقيقة، ويتساءل فقط عما إذا كانت الطريق إلى الحقيقة طريقا واحدا أم طرقا متعددة؟
لكن بما أن السؤال يبدأ ب "هل" وهي أداة استفهام ، ولانحتاج إلى أى تفلسف لكي نعرف أنها أداة استفهام تستدعي جوابا بالإثبات أو النفي
لكن انتبه: ليس مطلوبا منك أن تقول "نعم، هناك طريقة واحدة" أو أن تقول:" لا، هناك عدة طرق". حبذا لو كانت الأجوبة الفلسفية بهذه البساطة :icon_biggrin:
ثم إن السؤال المبتدئ بهل: يتضمن دائما نصف جملة محذوف
مثلا، لدينا سؤال: هل كنت حاضرا؟
السؤال في الواقع هو: هل كنت حاضرا أم غائبا؟
لكننا نستغني عن الشق الثاني لأنه في العادة معلوم عند السائل والمسؤول

ماذا يعني كل هذا؟ يعني أن عليك أن تتفحص كلا الاحتمالين، أي:

1- كيف تكون هناك طريقة واحدة لبلوغ الحقيقة؟ مثلا:
-مادامت الحقيقة واحدة فمن المفترض ان تون طريقة بلوغها واحدة
– إذا تعلق الأمر بالعلوم التجريبية، فطريقة بلوغها واحدة، المنهج التجريبي؛ إذا تعلق الأمر بالرياضيات والمنطق، فالطريقة هي الاستنباط
-هنا يمكننا الاستئناس بموقف ديكارت بشأن منهج اكتشاف الحقيقة: الحدس والاستنباط
– للحقيقة عن المتصوفة طريقة واحدة هي الحدس، الذوق والزهد..
باختصار إلى نظرنا إلى كل حقيقة أو كل مجال معرفي في حد ذاته، فهناك طريقة واحدة لبلوغ الحقيقة.
.. إلخ إلخ

2- كيف تكون طرق بلوغ الحقيقة متعددة ؟ مثلا:
– (بالنسبة لتلامذة الشعبة الأدبية) إذا تعلق الأمر بحقيقة الظواهر الإنسانية ، هناك على الأقل طريقتان: الفهم والتفسير
– إذا نظرنا إلى الحقيقة في تعدد أنواعها ومجالات انطباقها: تجريبية، رياضية منطقية، دينية.. فلاشك أن الطرق متعددة
– يمكننا أيضا الاستئناس بموقف كانط الذي ينكر إمكانية وجود معيار صوري وكوني للحقيقة. هناك على الأقل نوعان من الحقيقة: مادية وصورية..
.. إلخ إلخ

القاعدة الثانية: ترتيب الأجوبة الممكنة ترتيبا منطقيا
قلنا أن لدينا على الأقل جوابين محتملين على السؤال، لكن يبقى المشكل هو :
بأي إمكانية أو كما يقال بأي موقف سابدأ؟ الموقف القائل بتعدد الطرق ام القائل بوحدة الطريقة!؟ :icon_scratch:
في الواقع لست حرا في أن تبدأ بما تشاء ! :icon_biggrin:
هناك مبدأ ينبغي الالتزام به عند ترتيب الموقفين:
لو أن أباك سألك عن الظالم والمظلوم، أخوك أم أختك؟
بم ستجيب!؟
للو أنك -أيها العفريت- كنت منحازا أو متعاطفا مع أختك، من المحتمل أن تجيب أباك: أخي يقول كذا وكذا، لكن أختي تقول…
أما لو كنت -أيها العفريت- منحازا أو متعاطفا مع أخيك، من المحتمل أن تجيب أباك: أختي تقول كذا وكذا، لكن أخي يقول…
ماذا أقصد؟ أقصد أننا عادة نبدأ بالموقف الي لا نتفق معه لنعقب عليه وننتقده وربما نهدمه بالموقف الذي نعتقد أنه صائب
إذن الفيصل في ترتيب المواقف في الإنشاء الفلسفي هو النتيجة التي يريد أن تخلص إليها ايها التلميذ !!
لقد تعلمنا من نصوص الفلاسفة الذين درسنا نصوصهم أثناء البناء الإشكالي للدروس، أن الفيلسوف غالبا مايعمد أولا إلى عرض الأطروحة المنافسة، قبل ان ينتقل ثانيا إلى دحضها لكي يؤسس على أنقاضها أطروحته الخاصة. مثال نص ميرلوبونتي في درس الغير بالنسبة لمن يستعمل منكم كتاب منار الفلسة، وهو نص يبدأ هكذا: يقال أن الغير يحولني إلى موضوع وأنفيه.. إلخ

وعليه، انصح تلامذتي بما يلي:
إذا كنت أيها التلميذ لسبب او لآخر، إما لأنك تميل وجدانيا وشخصيا إلى الموقف الأول، أو لأن ما برصيدك من حجج واستدلالات على الموقف الأول أقوى مما بحوزتك فيما يخص الموقف الثاني، فعليك وجوبا أن تبدأ بعرض الموقف الثاني. لماذا؟ لأنه:
– لايعقل ان تقدم أولا الموقف الأقوى حجاجيا ثم تعترض عليه بموقف أضعف منه، بل العكس أولى!!
– يستحسن أن يكون موقفك الذي ستخلص إليه في التركيب هو نفسه آخر شيء أكدت عليه في العرض. ذلك أن الإنشاء الفلسفي في حالة السؤال المفتوح يتخذ غالبا بنية "نعم.. ولكن.." أو "لا.. ولكن..". وفي كل جملة على نمط: "نعم.. ولكن.." أو "لا.. ولكن.." يكون ما يأتي بعد الاستدراك (لكن..) أٌقوى مما قبله في السلم الحجاجي.
.
كما تلاحظون، لابد أن تحشروا وتقحموا أنفسكم في الموضوع وفي القضية التي يطرحها السؤال :icon_bounce: لا أن تظلوا مجرد متفرجين وكأن الأمر لايعنيكم
عليك أن تسأل نفسك قبل ترتيب الإمكانيات: ماذا أريد أنا شخصيا بالضبط؟ إلام أريد أن أخلص؟
ومن اجل إفهام تلامذتي وإقناعهم بهذه القاعدة المنهجية، أضرب لهم مثلا من رواية أليس Alice في بلاد العجائب، حيث تقف أليس Alice على مفترق طرق وتسأل أحد الحيوانات: رجاءا، إنني حائرة! أي طريق اختار ؟ :icon_scratch:
فيسألها: يتوقف ذلك على الوجهة التي تقصدين. إلى أين تريدين الذهاب؟
تجيب أليس: في الحقيقة، لا أعرف :icon_redface:
فيجيبها: في هذه الحالة، لايهم أي طريق تسلكين !! :icon_biggrin:
فيضحك التلاميذ !! لكنني أؤكد لهم أن الأمر ينطبق عليهم تماما. فبالمثل، إذا لم تكن أيها التلميذ تعرف إلام تريد أن تخلص، فلايهم بم تبدأ وإلى أين تنتهي !!!

أتمنى لكم التوفيق :warda:
ملاحظة: ما قدمته أعلاه مجرد تحرير وتوثيق وتدوين لمجريات جزء من حصة (حوالي 15 دقيقة) أنجزتها مع تلامذتي ذات يوم أثناء إنجاز الدرس… ربما بسبب سؤال طرحه أحد التلاميذ..

Facebooktwitterredditmailby feather

كيف أختار موضوعا من المواضيع الثلاثة يوم الامتحان الوطني؟

كيف أختار موضوعا من المواضيع الثلاثة يوم الامتحان الوطني؟

أعزائي التلاميذ
زملائي الكرام
أنجزت مع تلامذتي حصة خاصة عنوانها: كيف أختار موضوعا من المواضيع الثلاثة يوم الامتحان الوطني؟
لماذا؟
لأن النجاح في الامتحان يتوقف -كما هو معروف- على عاملين: الإعداد المعرفي والإعداد النفسي، أو بلغة الكفايات على نوعين من الكفايات: كفايات معرفية-منهجية وكفايات استراتيجية
لن نتحدث عن الإعداد المعرفي والكفايات المعرفية-المنهجية (مراجعة الدروس والملخصات، توسيع دائرة الاطلاع على كتب ومجلات، التمرن على إنجاز إنشاءات..)، بقدر ما سنقتصر على الإعداد النفسي والكفايات الاستراتيجية

لئلا تكون حرية الاختيار حرية عمياء:
يحظى تلميذ الباكالوريا في الفلسفة بفرصة ربما لايحظى بمثلها في مواد أخرى، وهي اختيار موضوع واحد من بين ثلاثة مواضيع تعرض عليه في الامتحان الوطني: سؤال إشكالي، قولة مذيلة بسرال ونص للتحليل والمناقشة.
لكن كيف يمكن لتلميذ أن يحسن الاختيار!؟
ألاحظ أحيانا أن بعض تلامذتي يخرجون من قاعة الامتحان، فأسأله عما صنع، ويلخص لي ما كتب، فأجد جوابه متواضعا وأنه اختار موضوعا ما كان ينبغي له اختياره؟ :icon_confused: وأناقشه في الموضوع الآخر لأكتشف -دون إخباره حتى لا أحبطه- بأنه كان قادرا على الكتابة فيه بشكل جيد أفضل من ذاك الذي اختاره!!
هناك إذن اختيارات سيئة ! وأخطاء بسيطة ما كان لها أن تؤثر على سنة كاملة من الإعداد المعرفي.
رأينا في درس الحرية نوعا من الحرية يمكن تسميته الحرية العمياء: وهي حرية الاختيار دون علم! اختيار نلقيه على عاتق الصدفة والحظ ، مثل من يطلب منه أن يقول هل العملة النقدية ستسقط على الوجه أم الظهر pile ou face !!؟ إنه حر في أن يختار “وجه” أو “ظهر” ولكن هناك حقا سبب وجيه لاختيار هذا أو ذاك !!؟

لكي لاتكون حرية الاختيار يوم الامتحان حرية عمياء، ينبغي الالتزام ببعض القواعد:

القاعدة الأولى: لا تكبل نفسك.
لا أدخل قاعة الامتحان وقد قررت مسبقا وقبليا أن أكتب في القولة أو النص أو السؤال، لأن هذه أسهل من تلك كما يشاع.. بهذا القرار،إنما تُضيق الخناق على نفسك :icon_pale: وتحرمها من حرية الاختيار؛

القاعدة الثانية: لا لرد الفعل القطيعي:
صحيح ان لدى الإنسان شيئا من “غريزة القطيع” بحيث يستشعر الأمان كلما وجد نفسه مع الجماعة: يمضي حيث يمضي الآخرون ويختار ما يختاره الآخرون. إذ حتى لو كان القرار خاطئا وأصاب اجماعة البلاء، فإن البلاء إذا عم هان! لكن هذا الانحياز إلى الجماعة لا يكون موقفا حكيما دائما! ولا يعقل أن اختار موضوعا من المواضيع الثلاثة وليكن النص أو السؤال أو القولة فقط لأن كل رفاقي في قاعة الامتحان قد اختاروا الكتابة فيه !!.
بالعكس، الامتحان شأن فردي، فيه يتقرر مصير الفرد وليس مصير الجماعة، لذا ينبغي أن اختار الموضوع الذي أراه الأسهل بالنسبة لي والملائم لكفاءاتي وقدراتي ومراجعاتي، لا ما يعتقده رفاقي سهلا وملائما

القاعدة الثالثة: قراءة المواضيع االثلاثة:
بالنسبة للمسالك الأدبية مثلا، يمنح المترشحون ثلاث ساعة، فلا بأس من تخصيص ربع ساعة الأولى لاستكشاف المواضع الثلاثة. 5 دقائق لكل موضوع
أقرأ السؤال الإشكالي، أتمعن في مفاهيميه، وأفكر في إمكانيات الجواب وما إذا كنت أملك معطيات معرفية تسمح لي بتقديم هذه الإمكانيات (مواقف فلسفية، استشهادات، امثلة..) وأدون كل ذلك على شكل إشارات مقتضبة في المسودة
أقرأ القولة ، أتمعن في مفاهيمها، والتقابلات التي تستدعيها وأحدد أطروحتها، وأسأل نفسي: هل أملك معطيات معرفية (مواقف فلسفية، استشهادات، امثلة..) تسمح لي بشرح القولة وتبرير موقفها ثم مناقشته وفحصه وأدون كل ذلك على شكل إشارات مقتضبة في المسودة
أقرأ النص وهذه هي المهمة الأصعب، أحدد المفاهيم الأساسية، وأضع افتراضا أوليا حول أطروحته، وأحسب جيدا عدد جمل النص التي أستطيع فعلا فهمها وتلك الذي لم أفهم منها شيئا. وأسأل نفسي: هل أملك معطيات معرفية (مواقف فلسفية، استشهادات، امثلة..) تسمح لي بشرح جمل النص وأفكاره وأدون كل ذلك على شكل إشارات مقتضبة في المسودة

القاعدة الرابعة: لكل صيغة ما لها وما عليها
اعلم أنه لا توجد صيغة سهلة! ليس صحيحا أن النص أسهل من القولة أو أن السؤال أسهل من النص..كلا. فلكل واحدة من الصيغ الثلاثة جوانب سهولة وصعوبة. بمعنى أن كل صيغة تمنحني شيئا وتطالبني بأشياء

ما يقدمه السؤال المفتوح: الإشكالية واضحة تقريبا وهي نفسها التي يعبر عنها السؤال
ما لا يقدمه السؤال المفتوح: لا وجود لمعارف في السؤال، عليّ بناء الأجوبة الممكنة على السؤال

ما تقدمه القولة: الأطروحة واضحة تقريبا، والمفاهيم محدودة العدد
ما لاتقدمه القولة: لا تتضمن حجاجا ولاتقدم لي معطيات معرفية لتبريرها أو مناقشتها ونقدها،

ما يقدمه النص: معطيات معرفية غنية يمثل الاشتغال عليها وشرحها نصف العرض تقريبا
ما لايقدمه النص: لايتضمن النص إعلانا صريحا عن الأطروحة، بل ينبغي استنباطها من خلال تحديد شبكة المفاهيم الأساسية في النص.

القاعدة الخامسة: الاختيار عن علم
اعود إلى الإشارات والتخطيطات السريعة التي كتبتها أثناء تمعني في المواضيع الثلاث، لأحددها لموضوع الذي أحس أنني قد فهمته جيدا ولدي معطيات معرفية كافية لمعالجته (مواقف فلسفية، استشهادات، امثلة..)
مع العلم أن تفاصيل وأفكارا أخرى لن تحضر إلى الذهن إلا بعد الشروع في الكتابة في المسودة

نصائح أخيرة: موضوع سهل وموضوع ضعب . كيف !!؟
نعلم جيدا -كمدرسين- أن أول سؤال يطرحه التلميذ على نفسه عند قراءته لنص الموضوع يوم الامتحان هو: في أي درس وربما في أي محور يتحدث الموضوع؟ :quoi:
لذلك نستطيع أيضا كمدرسين أن نقول
بالنسبة للنص
الموضوع الأسهل هو:
– عندما يعالج النص بشكل مباشر إشكالية سبق تناولها في الملخص، ويتضمن تقريبا فكرة واحدة يقوم يتكرارها طوال النص. (نقول عنه إنه نص يتضمن وحدة إشكالية)
وأصعب نص هو الذي يتضمن مفاهيما كثيرة متنوعة يعجز معها الذهن عن التقاط الخيط الناظم أو الفكرة العامة (مثال: أنظر النص الثاني في المسابقة الوطنية للإنشاء 2010،) أو يتضمن جملا وتعابير كثيرة نعجز عن فهمها وشرحها بأسلوبنا شخصي وضرب أمثلة لتوضيحها

بالنسبة للسؤال:
– عندما يعالج السؤال بشكل مباشر إشكالية سبق تناولها في الملخص (مثال: هل القيام بالواجب نفي للحرية؟) محور الواجب والإكراه، أليس كذلك !؟ :icon_biggrin:
وان أصعب سؤال هو الذي يتطلب من التلميذ:
– تفكيرا شخصيا (مثال سؤال: هل تنحصر هوية الشخص وقيمته في الجسد؟)
– التركيب بين معطيات متفرقة في عدة دروس ومجزوءات (مثال: هل يقود تطور العلوم إلى إنكار قيام حقيقة نهائية؟)

بالنسبة للقولة:
أصعب قولة هي تلك التي لا نعرف بالضبط الإشكال أو التقابل الذي يحيل عليه (مثال: “إننا لانرى العالم بأعيننا بل ننظر إليه بمفاهيمنا”)
أسهل قولة هي تلك تعالج بشكل مباشر إشكالية سبق تناوله في الملخص (مثال: لايصنع التاريخ بمعزل عن إرادة الإنسان، ومع ذلك فإنه يصنع في جزء كبير منه خارج هذه الإرادة وضدها.”) دور الإنسان في التاريخ ألس كذلك !؟ :icon_biggrin:

مع متمنياتي لأعزائي التلاميذ بالتوفيق :warda:

Facebooktwitterredditmailby feather

تقريب منهجية الإنشاء الفلسفي للجذع والسنة1، مع تطبيقات

منهجية الإنشاء الفلسفي للجذع والسنة1، مع نموذج تطبيقي

أولا، فقرة موجهة لزملائي الأساتذة، أما التلاميذ، فيمكنهم الانتقال مباشرة إلى قراءة الفقرة الموالية
أقتسم معكم اليوم هذه الاجتهاد ويتعلق بكيفية تدريس تلامذة الجذع والسنة الأولى منهجية الإنشاء الفلسفي.. :icon_bounce:
لماذا؟ لأنني اعتقد أنه إضافة إلى الكتابة الجزئية التي يفترض ان يتمرس بها تلامذة هاتين السنتين، لابد لهم من اكتشاف الإنشاء ككتابة تركيبية، ولكن بطريقة مختلفة طبعا عن الطريقة التي سيكتشفونها بها في السنة الختامية (قبل أن تجتاح عقولهم مقولات المواقف المؤيدة والمواقف المعارضة!)
ثم إن الكتابة الجزئية شيء والكتابة الكلية شيء آخر ! فإنجازات التلاميذ وتعثراتهم تُظهر جيدا أننا باقتحامنا لعالم الإنشاء الفلسفي ككتابة كلية تركيبية، نقفز فقزة كيفية وليس فقط قفزة كمية، وهذا ما يفسر حيرة تلامذة السنة الختامية الذين يظهرون كمن أخذ على حين غرة :icon_eek: ، وكأن تمارين السنيتن السابقتين لم ينجحا في تهدئة روعهم وتوجيه بوصلتهم.. وأن الإنشاء الفلسفي “فن سري خاص” شبيه إلى حد كبير بفنون الخيميائيين !
تكمن فكرتي باختصار في أنه ينبغي لمنهجية الإنشاء أن تعرض أولا بصيغة تبسيطية على أساس أن يتم تدقيق هذه الصيغة مع تقدم التلاميذ في دراسة الفلسفة.
وكما ستلاحظون، فقد ارتأيت أن أبدا حقا من البداية، متسائلا مع تلامذتي عن “ماالإنشاء الفلسفي أولا؟” وقد كان هذا التساؤل خير مثال لما نطالبهم به في منهجية الإنشاء: أي الاشتغال على دلالات المفاهيم !!!!
ملاحظة تقنية أخيرة للزملاء الكرام: تمت أولا دراسة مضمون الجزء الأول الذي أعرضهم عليكم اليوم مع التلاميذ بطريقة تفاعلية، قبل طباعته وتوزيعه عليهم بعد انتهاء الحصة؛ أما الجزء الثاني الذي سأنشره في مشاركة مقبلة، فقد طبع ووزع عليهم ليشتغلوا عليه في منازلهم تمهيدا لدراسته في القسم

أولا-تعريف الإنشاء الفلسفي:
ربما كنت واحدا من الذين تستهويهم الفلسفة أو ينخرطون في النقاشات الشفوية داخل القسم، ولكن عليك أن تعلم أن تقييم واختبار قدراتك الفلسفية –وخصوصا في الامتحان الوطني- يتم من خلال عمل مكتوب تنجزه على شكل كتابة مقالية نسميها الإنشاء الفلسفي، فما الإنشاء الفلسفي؟
إنه أولا “إنشاء” وثانيا “فلسفي”
أ-معنى كونه إنشاءا: الإنشاء في اللغة يعني البناء، لذلك نسمي المباني بالمنشآت. والبناء كما تعلم يحتاج إلى مواد أولية، وتصميم ومراحل للإنجاز.
فالمواد الأولية هنا هي ثقافتك العامة والمعارف الفلسفية والمهارات المنهجية والأساليب اللغوية التي تتوفر عليها
والتصميم هو تلك البنية الثلاثية التي نسميها المقدمة- عرض-خاتمة، وهو أيضا الخطة التي ستعالج من خلالها الموضوع المطروح عليك لكي تخرج في النهاية بنتيجة ما.
ما ينبغي أن ننتبه إليه هو إن الذي يستنسخ ما هو موجود أصلا في الدرس أو الملخص ولا يبذل أي مجهود في بناء الموضوع وانتقاء المعلومات وترتيب الفقرات مثله مثل ذلك الذي يراكم الرمل بجانب الحصى والإسمنت بجانب الآجر والماء ..دون خلط وتصميم معتقدا أنه قد أنجز إنشاءا أي بناءا !! كذلك لا يمكن أن نضع المواد كيفما اتفق بل لابد من تصميم وخطة.

والإنشاء في اللغة يعني أيضا الخلق والابتكار مصداقا لقوله تعالى: “هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم”
بمعنى أن لا إنشاء دون شيء من الإبداع.ولايمكن أن “ننقل” أو ننسخ الإنشاء من مكان ما. لو سئلت اسئلة مباشرة، مثل: ما هو تعريف الأنا الأعلى؟ لكان الجواب طبعا جاهزا موجودا في مكان ما! بيد أن الإنشاء دائما ابتكار لشيء غير موجود ! صحيح ان مواده موجودة سلفا، لكن إنشاءنا ينسق بين هذه المواد ويقدمها بصورة مبدعة !
ب-معنى كونه فلسفيا: لكنك تعلم من جهة أخرى أنك مطالب في المواد الدراسية الأخرى بإنجاز إنشاءات. فما الذي يميز إنشاءنا عن غيره؟ يتميز بكونه فلسفيا. وفلسفي لا تعني أنك مطالب بأن تكتب مثل أرسطو أو ابن رشد، بقدر ما تعني أن عليك أن تبرهن عن بعض القدرات الفلسفية مثل
-الحرص على تسلسل الأفكار واحترام الروابط المنطقية وعدم الوقوع في التناقض؛
-عدم التوقف عند ظاهر الموضوع أو القضية، والسعي إلى الكشف عن خلفيات الأمور وبواطنها؛
-الاستخدام الدقيق للكلمات ومحاولة تعريفها لتغدو مفاهيم لا مجرد مفردات نحسب معناها واضحا في حين أنه ضبابي وغير واضح في أذهاننا. ولعلك ترى كيف وقفنا عند كلمة “إنشاء” نفسها وتعمقنا ففي فهم دلالاتها !
-النقد والتساؤل والشك ومساءلة الحقائق عوض الاكتفاء بقبول الأفكار، ومحاولة والدخول في جدل وحوار حتى مع الفلاسفة أنفسهم؛
-دعم أفكاري بحجج واستدلالات لتحظى بموافقة عقل القارئ واقتناعه
– لإقحام ذاتي في الإنشاء عوض الاختباء وراء أقوال الفلاسفة وفقرات الملخص. لأن التفلسف يقتضي العودة إلى الذات. أضف إلى ذلك أن القضايا الفلسفية تهمني وتخاطبني في المقام الأول مثل الرغبة، الوعي، الحق، العنف، المجمتع..

ثانيا-صيغ الإنشاء وأنواعه
اعلم أنك مطالب في فروض المراقبة المستمرة وفي الامتحان الوطني بكتابة إنشاءات فلسفية تختلف في ما بينها من حيث موضوع الانطلاق. فهناك:
-صيغة النص للتحليل والمناقشة:إنشاء فلسفي نكتبه انطلاقا من نص يقترح علينا (حوالي عشرة أسطر) مذيلا بسؤال: حلل وناقش
-صيغة القولة المذيلة بسؤال: إنشاء فلسفي نكتبه انطلاقا من قولة (من سطر إل ثلاث أسطر) تقترح علينا مذيلة بسؤال مثل: حلل هذه القولة وبين قيمتها..
-صيغة السؤال الإشكالي المفتوح: إنشاء فلسفي نكتبه جوابا على سؤال مباشر يطرح علينا. مثلا: هل يمكن تبرير العنف؟

رغم اختلاف هذه الصيغ الثلاثة، فإن بينهما قواسم مشتركة يجدر بك أن تعرفها منذ البداية
القاسم المشترك الأول هو المقدمة. كيفما كان الموضوع الذي ننطلق منه، فلابد لإنشائنا من مقدمة تتضمن:
-تمهيدا، وظيفته إشعار القارئ بوجود مشكلة أو غموض أو مفارقة أو تناقض تستدعي طرح الإشكال
-طرح الإشكال من خلال سؤال أو مجموعة من الأسئلة المترابطة

القاسم المشترك الثاني هو الخاتمة أو التركيب. كيفما كان الموضوع الذي ننطلق منه، فلابد لإنشائنا من خاتمة نلخص فيها بإيجاز نتائج التفكير الذي قمنا به في العرض وكذا الخلاصة التي خرجنا بها بعد أن فكرنا في الموضوع وقلبناه من مختلف الأوجه.

إذا كانت الصيغ الثلاثة تخضع لنفس المقتضيات والمطالب فيما يتعلق بالمقدمة والخاتمة، فإنها تختلف فيما بينها عندما يتعلق الأمر بالعرض، وسنخصص حديثنا الآن لصيغة النص للتحليل والمناقشة، مركزين على العرض فحسب.

ثالثا-صيغة الإنشاء المكتوب انطلاقا من نص للتحليل والمناقشة.
يتكون العرض في هذه الحالة من تحليل ومناقشة.
التحليل: الهدف من التحليل هو فهم النص وتفسيره، و للتحليل عدة أشكال ويمكن أن ننظم تحليلنا بطرق مختلفة، المهم أن نبرهن أثناء التحليل على حسن فهمنا للنص وفي مايلي تنظيم مقترح للعرض:
-تحديد الأطروحة؛
-تتبع لحظات تشكل هذه الأطروحة داخل النص؛
-الإشارة في نفس الوقت إلى الأساليب الحجاجية لأن تشكل الأطروحة يتم طبعا ضمن كتابة حجاجية؛
-الوقوف كلما دعت الضرورة عند أهم مفاهيم النص والتوسع في دلالالتها. دلالتها السيفقية أو دلالتها العام بحسب ما يقتضيه المقام.
المناقشة: للمناقشة هدفان:
– تطوير أفكار النص و
– الحكم على قيمته أطروحته ودعواه.
ونقوم فيها بالعمليات التالية كلها أو بعضها:
أ-الحكم على قيمة أطروحة النص وأفكاره من حيث أهميتها ويسمى هذا التثمين. وفيها نسعى أيضا إلى تطوير أفكار النص وإظهار المعاني والنتائج والفوائد النظرية أو العملية المترتبة عن الأخذ بما جاء به صاحب النص..
ب-الحكم على قيمة أطروحة النص وأفكاره من حيث حدودها و ويسمى هذا بالنقد. كتناقضها مع الواقع أو إغفالها لجوانب عالجتها مواقف فلسفية أخرى…

رابعا-نموذج تطبيقي.
لمساعدتك على فهم واستيعاب التوجيهات السابقة، سنشتغل الآن على نموذج تطبيقي. وستلاحظ ان ما سنقوم به وما يسمى تحليلا ومناقشة للنص لايختلف كثيرا عما نقوم به في الفصل الدراسي عند اشتغالنا على النصوص
تأمل النص التالي:
“كل البشر، بمن فيهم البلهاء، قادرون على التأليف بين مفردات مختلفة، ليركبوا منها كلاما يجعلون به أفكارهم مفهومة. و على العكس من ذلك، فما من حيوان آخر مهما كان كاملا و مهما نشأ نشأة سعيدة، يستطيع أن يفعل ذلك. و هذا لا ينشأ عن نقص في الأعضاء، لأن المرء يرى و الببغاء تستطيع أن تنطق ببعض الكلمات مثلنا، ولكنها مع ذلك لا تستطيع أن تنطق مثلنا، أي (أن تنطق) نطقا يشهد بأنها تعي ما تقول، في حين أن الذين ولدوا صما و بكما، فحرموا الأعضاء التي يستخدمها غيرهم للكلام مثل حرمان الحيوان أو أشد، اعتادوا أن يستنبطوا من تلقاء أنفسهم بعض إشارات يتفاهمون بها مع من يجدون فرصة لتعلم لغتهم. و هذا لا يشهد أن للحيوان من العقل أقل مما للإنسان، بل يشهد بأنه ليس للحيوان عقل مطلقا. فإننا نشهد أن معرفة الكلام لا تحتاج إلا إلى قدر قليل جدا من العقل…. و لا ينبغي أن يخلط بين الكلام و بين الحركات الطبيعية التي تعبر عن الانفعالات، و يمكن أن تجيد تقليدها الآلات كما تقلدها الحيوانات”. حلل وناقش

قبل أن نحرر موضوعنا في صيغته النهائية على شكل مقدم-عرض خاتمة، لابد من إنجاز بعض العمليات التمهيدية في مرحلة المسودة. وقبل المسودة، لابد من قراءة متأنية ومتكررة للنص من أجل فهم وتمثل أفكاره واسنتتاج أطروحته واستدعاء مكتسباتنا المعرفية التي لها علاقة بموضوع النص او إشكاليته..
وهذا مثال:
1-العمل التحضيري في المسودة:

يتبع ..

ودمتم محبين للحكمة :warda:

Facebooktwitterredditmailby feather

التاريخ – مجزوءة الوضع البشري

ا

I-المحور الأول: إشكالية المعرفة التاريخية

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) يواجه علم التاريخ ومعه المعرفة التاريخية وضعية فريدة بين العلوم الإنسانية: فهو علم دراسة الماضي، مما يعني أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له وجود! فما يوجد اليوم وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي هذه “المخلفات” ليعيد بناء الوقائع التاريخية مما يجعل من المعرفة التاريخية معرفة مبناة بامتياز

طرح الإشكال: ضمن أية شروط تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما وقع فعلا؟ ما هي شروط إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضي لاتتم إلا بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس فقط الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي المادي بل وأيضا “أحداث الوعي”أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟

معالجة الإشكال:

1- المعرفة التاريخية ورهان الدقة والموضوعية: المنهج النقدي

مثلما حذر بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي تلك المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي حول الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ أيضا أن يحذر من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر علم التاريخ وهي تلك المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضي في شكل روايات وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون التاريخ علما إلا بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق هذه الروايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار وفحصها على ضوء أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و الوقوف على طبائع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تحقيق الخبر التاريخي يحتاج أيضا إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها…

2- حدود المنهج النقدي في التاريخ:

ماهي حدود المنهج النقدي في التاريخ؟ ألا يواجه علم التاريخ نفس الصعوبات الميتودلوجية ونفس الإشكالات الإبستملوجية التي تواجهها باقي العلوم الإنسانية؟
ربما يوحي النقد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وقد وضعه على طاولة البحث تحت مجهر النقد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست فقط حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط مقاصد وغايات ونيات…، وباختصار فالمؤرخ يدرس أحداث الوعي أيضا. الا تستدعي المعرفة التاريخية بهذا المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتعارض هذه الذاتية مع مطلب الدراسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حدود الدقة التفسيرية التي التي يطمح إليها المؤرخ؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي

I-المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) أوضح ابن خلدون بأن ظاهر علم التاريخ لا يختلف عن باطنه في التحقيق والتمحيص فحسب بل يزيد عليه بالتعليل والتفسير أي الكشف عن علل الأحداث ومبادئها. وبذلك يكون التصور الخلدوني جامعا لعلم التاريخ وفلسفة التاريخ معا، لأن هذه الأخيرة تتجاوز تحقيق الوقائع إلى البحث في علة حدوثها ومبدأ تعاقبها بل في منطق ومعنى السيرورة التاريخية ككل.

طرح الإشكال: هل هناك منطق ثاو خلف تعاقب الأحداث التاريخية أم أن التاريخ هو مملكة الصدفة والعرضي؟ هل هناك معنى لهذه السيرورة وهل التاريخ قابل للتعقل؟ وإذا كانت ثمة منطق للسيرورة التاريخية فهل يمكن أن نستخلص منها غاية التاريخ ونتنبأ بوجهته التي يمضي نحوها ؟ وإذا وجدت غاية للتاريخ أفلا يعني أن صيرورة التاريخ يمضي نحو نهاية التاريخ؟

معالجة الإشكال:

1- التاريخ الدوري والغياب التام لفكرة التقدم

السيرورة التاريخية في المستوى الخام وقبل كل تفسير هي تعاقب لأحداث. وأبسط أنواع الظواهر المتعاقبة التي يسهل الكشف عن منطقها هي الظواهر الطبيعية الكبرى ( تعاقب الليل والنهار، الفصول، أطوار حياة الكائن…) ولقد اتضح للإنسان مبكرا أن منطقها منطق دوري إذ أن الظواهر تتالى وتتعاقب وتنمو وتندثر لتعود مجددا إلى طورها الأول . لقد استعير هذا المنطق لفهم السيرورة التاريخية فيما يعرف بالعود الأبدي الذي نجده في الكثير من الميثلوجيات وبعض الفلسفات كفلسفة نيتشه.
تمثل فلسفة التاريخ الخلدونية ونظريته في العصبية نموذجا للتصور الدوري للتاريخ الذي تغيب عنه فكرة التقدم والتراكم. لقد استطاع ابن خلدون أن يلتقط المبدأ المفسر للسيرورة التاريخية أو للعمران البشري متمثلا في أهم مظاهره وهي الظاهرة السياسية أو الدولة. إن العصبية هي العامل المفسر لقيام الدول وانهيارها. والعصبية كما الدولة يبدآن بالفتوة ثم القوة فالهرم والشيخوخة والإندثار: تبدأ الدولة الجديدة كدعوة تتخد من العصبية مصدرا لقوتها داخل قبيلة واحدة تتقوى لتضم تحت سيطرتها قبائل أخرى وبمقدار ماتتسع سطوتها تتحول إلى طور الدولة وما يصاحب ذلك من استقرار وتشييد وتنظيم إداري ومالي وعسكري… ولكن بقدر ما تتوسع مظاهر العمران، تضعف وظيفة العصبية والحاجة إليها لممارسة السلطان. وكأن تطور الدولة يحمل في ذاته بذور تلاشيه: ذلك إن اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وعدد جيوشها ودواوينها وتنوع أصناف البذخ يرهق ميزانيتها فيدفعها إلى فرض المزيد من المكوس والضرائب وممارسة صنوف الجور والإفراط… فتدب الإنشقاقات والثورات والوهن في جسمها، مما يوفر الشروط لنشوء دعوة جديدة لاتزال العصبية فيها فتية قوية، تنقض على الدولة الواهنة… وهكذا دواليك ليبدأ دور أو طور جديد

2 -التاريخ وفكرة التقدم

ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التكرار الدوري الارتدادي الذي يعيد إنتاج نفسه ولا يضيف شيئا؟ ألا تتضمن السيرورة التاريخية نوعا من التراكم بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور السابق ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من ذلك فإلى أية وجهة يمضي هذا التراكم والتجاوز؟
يرى “تيودور شانين” أن جاذبية فكرة التقدم تعود إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع يسير نحو الأعلى على طريق طويل بيتعد فيه تدريجيا عن الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي نحو الثراء والحضارة والديموقراطية والعقل.
يظهر التصور التراكمي للتاريخ في كتابات باسكال (1662-1623) وبالخصوص في مقدمته لكتاب “عن الفراغ” حيث تصور تاريخ البشرية كرجل واحد، عمره كل هذه القرون، لايتوقف خلالها عن التعلم المستمر ؛ كوندورسيه (1743-1794) في كتابه ذي العنوان الدال: ” جدول تاريخي لتقدم الجنس البشري”
تعكس لنا فلسفة التاريخ مع هيغل هذا التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري نحو مزيد من المعرفة والحرية والسيطرة على الطبيعة، وقد استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يتجاوز فيها اللاحق السابق و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو جوهري فيه. ولكن هذا “الرقي” يفترض غائية للتاريخ، ومادام التاريخ ليس سوى تجليات لفكرة أو روح تسعى لوعي نفسها وللتطابق مع ذاتها بدءا من أبسط مظاهر الطبيعة وصولا إلى أعقد مظاهر التاريخ وأرقى أشكال المعرفة، فإن التاريخ الكوني هو سيرورة التقدم الذي يحرزه وعي الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لهذا التقدم والتي هي ضرورة منطقية في العقل قبل أن تكون ضرورة واقعية في التاريخ. بهذا المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست سوى انتكاسات سطحية تخفي التقدم العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم نحو غايتها المتمثلة في الحرية. ونجد نفس هذه النظرة التفاؤلية وتأويلها “الإيجابية للكوارث” لدى لايبنز أيضا

3- نقد فكرة التقدم – ريمون آرون

قلنا إن فكرة التقدم بنت عصر الأنوار، ولذلك فقد ورثت هذه الفكرة النزعة الإنسية الكونية لذلك العصر ، مما يعني أن كل المجتمعات البشرية تتقدم بوتائر متفاوتة، ولكن على نفس المسار الخطي التراكمي، وهو مايؤدي حسب ليفي ستروس إلى إذابة الاختلافات بين المجتمعات والثقافات والحكم عليها بمنطق التقدم الغربي العلمي،التقني، الصناعي والقيمي.
أما بالنسبة لريمون آرون،فإن فكرة التقدم تتضمن حكما معياريا قيميا ينتقص من علميتها، مفاده أن المجتمع اللاحق أفضل من السابق، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على التاريخ برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتقنية تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقييم، فإن إثبات التقدم في مجالات الفن والدين والاقتصاد والسياسة يظل قضية إشكالية.
ويمضي ريمون آرون في نقده لفكرة التقدم إلى إبراز خلفيتها الميثولوجية وكذا استعمالاتها السيئة داخل فلسفة التاريخ، الهيغيلية منها أو الماركسية،وكذا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما حول نهاية التاريخ. ذلك أن فكرة التقدم لاتنفصل عن فكرة نهاية التاريخ: فالقول بفكرة التقدم يفترض أولا وجود غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بهذه الغائية، ويفترض ثانيا وجود نهاية للتاريخ تمضي نحوها هذه السيرورة بما هي مسيرة نحو الخلاص.
بيد أن فلسفات التقدم تسقط بشكل لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وذلك في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها سوى استعمال معياري وبين شكل متعين قائم من أشكال النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ( مثلما فعل هيغل حين طابق بين الدولة البروسية والعقل، أو ماركس حين جعل من المرحلة الشيوعية وسيطرة البروليتاريا نهاية الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية نهاية التاريخ…)

 

المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ:

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) إن البحث في دور الإنسان في التاريخ لهو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ وغايته، ذلك أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي وفق مبادئ وقوانين موضوعية مادية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المسارات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة التاريخ.
فمن جهة يبدو الإنسان هو صانع تاريخه من خلال بطولة الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن جهة أخرى يبدو أن بطولة هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها ظروف مواتية. هل يمكن مثلا أن نرجع توسع الدولة الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها اليوم بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك التوسع وهذا الإنحسار إنما يرجع إلى عوامل اقتصادية وسياسية عالمية تتجاوز الإطار المحلي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية…

طرح الإشكال: إذا كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الرياح قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استخدام قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو شن الحروب، ولايهتم بفيضانات الأنهار إلا من حيث أنها تتقاطع أو تؤثر على حياة إنسانية قائمة بجوارها… فلأن أحداث الماضي لاتكون موضوعا للتاريخ إلا من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على الأقل. ما حقيقة كون الإنسان “مُحدثا” للحدث التاريخي؟ هل يعني ذلك أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان نفسه الذي ليس سوى جزء من بنية تتجاوز وعيه وإدراكه؟

معالجة الإشكال:

1- الإنسان مجرد أداة عرضية لتحقق الفكرة – هيغل

تاريخ العالم عند هيغل مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاته، وإذا كانت البذرة تحوي في ذاتها كامل خصائص الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي ستظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تحتوي بالقوة مسبقا أيضا كل التمظهرات اللاحقة التاريخ. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ محدد قبليا؟
لاأهمية للبشر /الأفراد عند هيغل إلا بقدر ما يكون هؤلاء أدوات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. بل إن أبطال التاريخ وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم الخاصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بقدر ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم

2- ماركس: (الشروط المادية)تطور قوى الإنتاج هي المحركة للصيرورة التاريخية

ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل البشر – شعوبا وقادة – لتحقق نفسها !؟
في هذه النقطة بالذات تمثل فلسفة التاريخ الماركسية تجاوزا لفلسفة التاريخ الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي كانت تتجلى تدريجيا عبر التاريخ وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها – في الماركسية – عوامل مادية هي ظروف الإنتاج المادي للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في التاريخ ظل في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف وفق ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين التحليل المادي للتاريخ أن المعتقدات الدينية والمبادئ السياسية ماهي إلا انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج. وعلى ضوء التحليل الماركسي، لاتعدو أن تكون بطولات نابليون وروبيسبيير حماس جماهير وأحزاب الثورة الفرنسية سوى إنجاز لمهام عصرهم المتمثلة في انبثاق المجتمع البرجوازي وتفكيك المؤسسات الفيودالية.
وإذا كان الوعي هو النمط الوحيد الذي يمكن من خلاله إثبات فعل الإنسان في التاريخ، فإن هذا الوعي نتاج للوجود الاجتماعي وليس العكس

3- سارتر- الإنسان صانع تاريخه

ولكن إذا كانت الماركسية تقدم نفسها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة المادية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح هذه المعرفة للإنسان الانفلات حتمية هذه الصيرورة؟
يرى سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها بشكل تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل كامل: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس فقط للإنسان الفرد بل للطبقة المستغلة بأسرها، ذلك أن التاريخ لايكون قوة غريبة تستلب البشر إلا مادامت دلالة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن التحليل الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج وفهم سيرورته، من خلال مفاهيم قوى الإنتاج ، علاقات الانتاج،الصراع الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا… وبذلك تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء قد تنقلب نتائجها ضدها.

Facebooktwitterredditmailby feather