All posts by شفيق اكّريكّر

منزلة ” الوضعية المشكلة” في الكتاب المدرسي

منزلة “الوضعية المشكلة في الكتاب المدرسي أو في شروط الوضعية المشكلة ووظائفها البيداغوجية

أخدت بيداغوجيا الوضعية-المشكلة تتبوأ شيئا فشيئا مكانة مهمة داخل بنية الكتب المدرسية الجديدية لمادة الفلسفة، لمواكبة التغييرات التي طرأت على المناهج الدراسية والتوجهات التربوية العامة كما وردت في الكتاب الأبيض. وسنتوقف هنا عند تجربة كتاب “في رحاب الفلسفة” على أساس أن نستخلص منها ما يمكن أن يساهم في التحديد الدقيق لخصائص ووظائف الوضعية-المشكلة في درس الفلسفة

ماليس وضعية مشكلة:
بذل مؤلفوا الكتاب المدرسي (رحاب الفلسفة) بدون شك جهودا محمودة في إخراج كتاب مدرسي يراعي شكلا ومضمونا المستوى المعرفي والخصائص السيكلوجية للذين يتوجه إليهم الكتاب، ويقطع مع تصور “الأبراج العاجية” التي تمترس خلفه سلفه السابق ؛ بيد أنهم سقطوا -فيما يتعلق بالوضعية المشكلة – في نوع من التنميط الذي لامبررر له:
فقد اختزلت الوضعيات المشكلة المستهلة للدروس في صيغة نصية “عالمة” تمثلت في مقتطفات من كتب تنتمي إلى سجلات أدبية وجمالية تحتاج بدورها إلى “توسط” بيداغوجي لفهمها من قبل المتعلمين واستيعاب دلالاتها فما بالك بإدراك الاستشكالات الثاوية خلفها: إن نصوص جبرا ابراهيم جبرا ومحمد برادة وخليل المرابط وأحمد عيدون الباحث في التراث، تعني الشيء الكثير للمطلع، ولكنها “لاتقول” شيئا لمتعلمين مبتدئين، خصوصا وأنها ليست نصوصا للتحليل ترد كمثيلاتها أثناء البناء الإشكالي للمفهوم. حيث يفترض التوقف عندها وتقريب دلالاتها من أفهام المتعلمين
ومن واقع تجربتنا الفصلية المتواضعة، نستطيع أن نزعم انها لاتضع المتعلم في أية وضعية مشكلة حقيقية، ومقلقلة تستنفر مداركه وتعلماته السابقة، وتدفعه إلى الإنخراط الفعال في عملية التعلم الذاتي بحثا عن حلول للوضعية.. وبالمقابل فإن نص السفير-الرحالة ادريس العمراوي مثلا حيث يصف بكل اندهاش “البابور” أي القطار البخاري أثناء رحلته إلى باريز حوالي سنة 1867 – هذا النص يثير بالفعل نواة وضعية مشكلة لأن بإمكان المتعلم أن يتمثل الموقف ويضع نفسه مكان سلفه , وهو وفي وضعية “صدمة التقنية”!
مواصفات الوضعية المشكلة:
إن المستهدف بيداغوجيا من الوضعية المشكلة، وبكل بساطة، هو أن “تضع” المتعلم “في مشكلة” !
ولن يتأتى ذلك مثلا بنص جبرا ابراهيم جبرا وهو يصف تجربة وجودية رفيعة ينذر أن يعيشها المتعلم على الأقل بالألفاظ التي قدمت بها في النص؛ صحيح أن نص برادة يقدم تجربة “طازجة” من تجاويف الذاكرة حيث يمتزج الحنين إلى الأم بصور إيروسية، ولكن ماهي الوضعية المشكلة المقلقة والمحرجة هنا؟
إن وضعية مشكلة في الرياضيات لن تكون سلسلة معادلات رياضية عددية، وإنما على سبيل المثال، مشكلة البقال وهو يحاول أن يقسم شيئا بين زبونتين؛ وفي حصة للفيزياء عن الكتلة الحجمية، لن تكون الوضعية-المشكلة نصا من كتاب نيوتن بل وضعية نريد ان نعرف فيها الحليب المغشوش من الخالص!
أريد ان أخلص من كل ما سبق إلى انه لابد للوضعية-المشكلة:

  • أن تكون أولا – “وضعية” أي موقفا أو تجربة حياة يمكن للمتعلم بكل يسر أن يدركها في كليتها وأن يختبرها أو يتماهى مع صاحبها، وليست تأملات لأن التأملات خلاصة تجربة وليست تجربة في بعدها الخام الأول au premier degré
  • – أن تكون ثانيا “مشكلة” أي أن تكون إما مأزقا منطقيا (مفارقة) أو مأزقا سيكلوجيا (حيرة وإحراج) يطرح نفسه بإلحاح بحيث لايمكن للتلميذ ان يتخد إزاءه موقف اللامبالاة، بل يسارع إلى الانخراط في لعبة البحث عن الحل!
    ولاشيء يشحذ همة الفكر ويزعجه ويوقظه من سباته ونزوعه التلقائي إلى الكسل واللامبالاة أفضل من المفارقات والمواقف المحرجة.
Facebooktwitterredditmailby feather

الوضعية المشكلة في تدريس الفلسفة: مدخل نظري

مدخل نظري (يمكنك أيضا الإنتقال إلى النماذج التطبيقية مباشرة)

problematicSitution
ننطلق في هذه الوضعيات التعليمية المقترحة من إعتبارين أحدهما بيداغوجي يهم عملية التعلم والآخر ديداكتيكي-فلسفي يقترن بطبيعة التفكير الفلسفي نفسه.

  • فأما الإعتبار البيداغوجي فيتجلي في أهمية المعنى داخل فعل التعلم: فما لم يدرك التلميذ معنى ودلالات التعلمات فإن دافعية التلقي والإستيعاب تتضاءل ناهيك عن قدرته على التعلم الذاتي أو الإبداع: فالذات المتعلمة تبحث دائما عن نسق تفسيري يناسب الأسئلة المطروحة عندها أساسا وليس “الأسئلة المثارة –في أحسن الأحوال- عبر خدع بيداغوجية قد تدفع التلميذ إلى مواجهة جهله”، لكنها لا تولد لديه أسئلة حقيقية نابعة من انتظاراته الخاصة. إن دور المدرسة يصبح بهذا المعنى هو إثارة الدهشة والتساؤل لدى التلاميذ وذلك انطلاقا من ربطهم بمعارف حية يجدون فيها إجابات عن حيرات وأسئلة يحسون أنها نابعة من حياتهم. إن المعنى الذي نعطيه للمعارف – نحن الكبار وخصوصا المدرسين – نابع من علاقة خاصة بالمادة المعرفية، علاقة نسجت عبر تاريخ شخصي طويل من الدرس والتحصيل، فتحولت إلى علاقة عشق أو “إدمان”!! ولذلك فليس من المستغرب ألا يتطابق بالضرورة معنى المادة المعرفية لدينا مع المعنى الذي قد تكتسبه المادة المعرفية بالنسبة للتلميذ ، هذا إن اكتسبت فعلا معنى ما !! وحدهم المتعلمون يمكنهم إعطاؤها معانيهم الخاصة ويكيفونها مع انتظاراتهم، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا باستثمار هذه العلاقة الخاصة وتهيئ المتعلم ضمن وسط مساعد ومحرك للرغبة والدهشة وعبر برامج ووضعيات تترجم حقيقة ما يحتاج إليه التلاميذ ويحفزهم على العمل والإبداع (1) وإذا مااستثنينا قلة من التلاميذ الذين تجمعهم علاقة خاصة بالمعرفة بحيث تبدو لهم منشودة ومطلوبة لذاتها بسبب تاريخهم الخاص أو ثقافتهم الأسرية التي قد تثمن المعرفة لذاتها، هل يستطيع غالبية المتعلمين أن يمنحوا المعنى لمعارف تقدم لهم كنتائج نهائية مطلوبة لذاتها وليس كتجربة إنسانية نتجت عن مخاض من الأسئلة والدهشة ومغامرة البحث والرغبة في الفهم؟ لايعني ذلك إنتهاء دور الأستاذ كأحد مصادر المعرفة أو أن التلميذ مدعو أو قادر بطرقة توليدية على بناء صرح المعرفة الفلسفية من ألفه إلى يائه!!، بقدر مايعني أن تقدم له المعرفة في الوقت الذي يطلبها ويحس فعلا بالحاجة إليها من أجل فهم وضعية أو حل مشكلة.
    وبعبارة أخرى، هل أخلق لدى اللميذ رغبة حقيقية وصادقة في المعرفة عندما أدعوه في بداية الدرس إلى استعراض تمثلاته حول اللغة أو البحث عن الدلالة المعجمية للحق، في غياب وضعية مشكلة أو قضية ملحة ذات معنى ودلالة تبرر اللجوء إلى مثل هذه الأبحاث، بإعتبارها وسائل وليس غايات؟
  • أما الإعتبار الثاني فذو طبيعة ديداكتيكية-فلسفية، قائم على حقيقة بسيطة وردت عن أرسطو تقول إن الدهشة هي التي دفعت الناس أول الأمر إلى التفلسف. والدهشة إنما تكون أمام ظواهر وضمن وضعيات تمس كيان الإنسان كل وتخاطبه بإلحاح وتحد مما يخلق عنده هذا التوتر المصحوب بشيء من التضايق واللارتياح، والذي يتعين علبنا إستثماره لدفع التلميذ إلى لقاء المعرفة، هذا اللقاء الذي غالبا مايحول دونه موقفنا البرغماتي إزاء العالم.
    لنتأمل الممارسة السقراطية نفسها: متى وكيف طرق سقراط موضوع الحب مثلا في محاورة “المأدبة”؟ ألم يفعل ذلك بعد أن انتهت المأدبة وقد أكل الندماء وشربوا، فرأوا أن يلقي كل واحد منهم خطابا في حق إله الحب؟!!
    كيف طرق سقراط قضية تعريف الجمال في محاورة “هيبياس الكبرى”؟
    لقد بدأ الحديث عاديا، (281a)حول انشغلات هيبياس وأسفاره الكثيرةكممثل لمدينته لدى المدن الأخرى، وعلاقة ذلك بحدق هيبياس وفصاحته وعلمه(283a)، لينتقل إلى قضية الحكمة والتربية (284a)والممارسة السوفسطائية للتعليم مقابل أجر، والتكريم والتقدير الذي تلقاه خطبهم ، وصولا إلى التكريم الذي حظي به أحد خطابات هيبياس(286 a) حول … الجمال
    وبعبارة اخرى، فإن فحص القضايا الفلسفية وتحديد دلالات الألفاظ والمفاهيم المستخدمة، يظهر على الدوام منغرسا ضمن وضعية حياتية يحاول المتحاورون فهمها وتفسيرها. وليس لحظة معزولة تبدأ بالعبارة التالية: ” سندرس اليوم القضية <س> ، فما ذا تعني لكم <س> ياترى ؟”، وعليه فإن التحدي المطروح على مدرس الفلسفة هو كيفية إعداد مثل هذه الوضعيات التي تدهش المتعلم، وتخرجه من سبات وطمأنينة الوضوح والبداهة الظاهريين، تجعل من فعل التفكير الفلسفي فعلا ضروريا، وليس مجرد مناقشة لقضايا مجردة لايرى فيها المتعلم غير تركة فكرية حفظها تاريخ الفلسفة،، أو لائحة من المشاكل التي لايدرك غير الأستاذ منشأها ورهانها؟
    كيف عالجت التوجيهات الرسمية مثل هذه الصعوبات والتحديات؟

تتوزع لحظات الدرس الفلسفي وفق الخطاطة الرسمية إلى طرح إشكالي وبناء إشكالي؛ فأما الطرح الإشكالي فيستهل بالإشتغال على الدلالات الإجتماعية فاللغوية وصولا إلى الفلسفية التي يفترض أن تسمح عناصرها ومفارقاتها بطرح مختلف إشكاليات الدرس التي سيتولى البناء الإشكالي معالجتها الواحدة بعد الأخرى.
يبدو هذا التصور سليما ومتماسكا من الناحية النظرية لكنه يفضي إلى بعض المفارقات على المستوى العملي:
هل من المفروض مثلا أن نعلن أو نكتشف كل إشكالات الدرس في البداية إنطلاقا من التقابلات التي تتضمنها الدلالة الفلسفية، ماهي الوظيفة البيداغوجية لإثارة كل هذه الأسئلة متراكمة مجتمعة الواحدة تلو الأخرى؟ وهل يحمل مثل هذا الإجراء دلالة أو معنى في نظر التلميذ عل نحو يحثه على الإنخراط الفعلي في عملية ومغامرة التفكير الفلسفي؟
إنه إجراء يراعي منطق تعليم المادة المعرفية لامنطق التعلم، منطق المعرفة المكتملة لا منطق المعرفة وهي في طور البناء من طرف المتعلم المبتدئ. والفرضية الضمنية هنا أن المشاكل الفلسفية تثار بمناسبة التفكير في دلالة الكلمات، وليس من خلال مواجهة وضعيات الحياة اليومية وأسئلة الوجود وقلق المصير … بكامل تعقدها وراهنيتها وإلحاحها ومحاولة حلها/ فهمها. عند هذه اللحظة وفقط عندها، نقترح عليه لحلها وفهمها التوسل بمختلف آليات التفكير الفلسفي ، ومن بينها استكشاف ومساءلة معاني الألفاظ التي نفكر بواستطها في المشكلة أو الوضعية، وإضفاء بعض النسقية والتماسك والنظام على أفكارنا، وفحص معتقداتنا وتأكيداتنا، ثم إستكشاف ( والإستفادة من ) الطريقة التي فكر بها الآخرون – أي الفلاسفة – في مثل هذه الإشكالات…؛
أما الفرضية الضمنية الثانيةالتي تقوم عليها التوجيهات الرسمية، فهي أن الإشكالات الفلسفية لاتبنى، وأن معالجتها الفلسفية لاتبدأ إلا بعد القطيعة مع الدلالات المتداولة، والحال أن العمل الفلسفي – بما هو إستعمال خاص للغة الطبيعية – ليس شيئا آخر غير اشتغال مستمر على الدلالات بغية فحص مسلماتها وفرضياتها الضمنية، والتمييز بين مكوناتها،والتنقيب عن آفاق جديدة للمعنى قد تحملها..،إن فعل التفلسف إستعمال خاص للغة الطبيعية، وكثيرا ما تم بناء مواقف فلسفية كاملة إنطلافا من التمييز بين الدلالات
وكما أشار أحد المهتمين (2)، فإن الإشتغال على التمثلات أمر محمود فلسفيا ولكن ماالمستهدف من هذا الإشتغال: هل هذا التمرين أو ” التطهر” الذهني ضروري قبل الولوح إلى محراب الفكر الفلسفي؟
سنضرب هنا مثالين لإظهار إمكانية ” معالجة” الإشكال معالجة أولية دون ” الإصطدام ” مباشرة بالتحديدات الدلالية:
هل من الضروري التعرف أولا على الدلالة الفلسفية لمفهوم اللغة وضبط هذه الدلالة قبل الشروع في مناقشة خصوصية اللغة الإنسانية مقارنة بأشكال التواصل الحيواني – وهي موضوع المحور الثاني في درس اللغة – ، والحال أن تعريف اللغة هذا يتضمن من العناصر ما يثير ضمنيا مفهوم “اللغة” الحيوانية، خصوصا عندما نقرأ تعريف لاروس الوارد في الكتاب المدرسي: ” اللغة قدرة خاصة بالنوع البشري على التواصل بواسطة…” ألا يصبح التعريف مصادرة على المطلوب، فتغدو المقدمة نتيجة في حد ذاتها؟! ألا نستطيع من خلال مقارنة أنماط التواصل البشري والحيواني بناء التعريفين العام والخاص للغة أي كنسق للتواصل وكوظيفة للتعبير عن الفكر تمييزا لها عن الإستجابات الغريزية؟أنظر نموذجا تطبيقيا هنا ؟وبالتالي نبني مقهوم اللغة أثناء هذه المقارنة نفسها؟
هل ينبغي تحديد الدلالة العلمية لمفهوم الشخصية ( تعريف آلبورت في الكتاب المدرسي) كهدف في حد ذاته دون الإنطلاق من واقعة أو مشكلة أو ظاهرة ما نحتاج في فهمها إلى ضبط دلالة المفهوم، مثل ظاهرة تعدد انماط الشخصيات بتعدد الأفراد أو ظاهرة المرض النفسي أو العقلي؟ أنظر نموذجا تطبيقيا هنا
إن إلحاح مثل هذه الأسئلة هو الذي دفعنا إلى ابتكار واقتراح عدد من الوضعيات التعليمية التعلمية لجعل دراسة الإشكاليات الفلسفية حاجة شخصية أو وجودية وليس مجرد استجابة لمنطق واكراهات المؤسسة المدرسية
==========
(1) نور الدين العمارتي، التلميذ والمعنى. مجلة فكر ونقد عدد42
(2) عزيز لزرق، قراءة في الإحراجات الخفية للدرس الفلسفي. جريدة الاتحاد الاشتركي 22-04-1999

(نماذج تطبيقية هنــــــــــــــــا)

Facebooktwitterredditmailby feather

التلاميذ ومشكلة المعرفة بمذاهب الفلاسفة وجنسياتهم وعصورهم.

التلاميذ ومشكلة المعرفة بمذاهب الفلاسفة وجنسياتهم وعصورهم.. مقترحات للتعاقد حول الحد الأدنى المعرفي، أو المعلوم من الفلسفة بالضرورة

little_think

ما أهمية معرفة التلاميذ بمذاهب الفلاسفة من عقلانية وتجريبية وظاهراتية ووجودية.. وجنسياتهم من يونانية وعربية وألمانية وأمريكية.. وعصورهم من قديم ووسيط ومعاصر…؟ سنعمل على معالجة هذه الأسئلة مستلهمين تمييزا كانطيا بين “المعرفة بالتواريخ” (cognitio ex datis) و“المعرفة بالمبادئ” (cognitio ex principüs)
يعمد عدد لا بأس به من الأساتذة الجدد أثناء الحصة الأولى إلى اختبار التلاميذ بخصوص هذه المعرفة كنوع من التقويم التشخيصي يمكنهم من معرفة مستوى المتعلمين وحصيلتهم المعرفية فيبنوا على أساسها دروسهم ومستوى خطابهم
في الغالب يصعق المدرسون الجدد عندما يفاجئهم تلامذة السنة الاولى وهم يعلنن بكل براءة وغفلة أن ديكارت يوناني، وأن أرسطو فرنسي، وأن الفلسفة ظهرت في القرن 16 أو 17، وأن ابن رشد من الفلاسفة الطبيعيين الأوائل..! مثلما قد يفاجئهم تلامذة السنة الثانية بأن ديكارت تجريبي..! ويبلغ وقع المفاجأة درجة أن يعمد المدرس الجديد عن حماس وحسن نية إلى تكليف التلاميذ بتمارين “علاجية” من قبيل إحصاء وجرد أسماء فلاسفة المقرر وإنجاز ثبت بمذاهبهم وجنسياتهم وتواريخ وفياتهم..
لكن ما صدقية مثل هذا التشخيص؟ هل سيجلي فعلا تعلمات المتعلمين ويكشف النقاب عن تعثراهم؟ وهل يمكن أن نبني على نتائجه لاحقا ممارستنا التدريسية؟
أزعم أن هذا الإجراء التقويمي مفهوم ومبرر تماما بالنظر إلى وضعية المدرس الجديد وإلى المنهاج، ولكن مصداقيته كتقويم تشخيصي ليست مع ذلك بديهية.
بالنسبة لمدرس جديد لا خبرة له بالمستوى المعرفي للمتعلمين، ولا بالمضامين المعرفية للدروس التي تلقوها، أقصد الدروس كما تنجز واقعا في الفصول وليس كما هي معروضة في الكتب المدرسية، تبدو هذه الاستمارة مناسبة، ويبدو ما تقيسه موضوعيا، إذ مهما تنوعت دروس من سبقه من المدرسين، فكلهم على الأرجح قد علموا تلامذهم -بمناسبة حديث عام أو عن التقديم لنص من النصوص – أن طاليس يوناني وأن ديكارت عقلاني.. وفضلا عن ذلك فإن نظرة سريعة إلى المنهاج من طرف المدرس الجديد لا يمكنها إلا أن تزكي اختياره: ففقرتان من الفقرات الأربع المرصودة لمجزوءة الفلسفة لمستوى الجذوع ذات خلفية تاريخية واضحة (نشأة الفلسفة ثم لحظات أساسية في تطور الفلسفة)، يضاف إلى ذلك كون “القدرة على وضع المعرفة الفلسفية في سياقها التاريخي والثقافي العام” هي إحدى القدرات المنصوص عليها في المنهاج.
هذا عن المدرس الجديد والمنهاج، لكن ماذا عن الدرس الفلسفي ومنطق التعلم؟ هل السؤال في الحصة الأولى عن مذاهب الفلاسفة وجنسياتهم سيقيس لنا فعلا تعلمات المتعلمين؟ ما تعلموه أو ما يفترض أنهم تعلموه أو ما ينبغي أن يتعلموه؟ ثم هل هذه “المعرفة التاريخية” هي مبتدأ التعلم وأدناه أم منتهاه وأعلاه؟ أقصد هل استيعاب الأنساب المذهبية للفلاسفة وحقبهم التاريخية.. هل هو مما يترسخ ويكتسب معناه في نهاية التعلم ومع مرور الوقت أم ما ينبغي حفظه وترصيده منذ البداية؟ هل يمكن للتلاميذ خلال نصف أسدس واحد في مستوى الجذوع أن “يحلقوا” فوق تاريخ الفلسفة من اليونان وصولا إلى المعاصرين مرورا بالوسيطيين والمحدثين؟ ويتذكروا بعد ذلك هذا الكم من الأسماء الجديدة جدة مطلقة؟ مع العلم أن المقاربة المعتمدة في المنهاج الحالي هي مقاربة موضوعاتية-إشكالاتية، تجمع فلاسفة مختلف العصور والمذاهب بدون تمييز، لتقيم بينهم حوارا حول الإشكال، أكثر منها مقاربة تاريخية، ترصد مقاربات الإشكال متتبعة تاريخ الفلسفة ومذاهبه المتعاقبة. على سبيل المثال لا الحصر: تجد في كتاب رحاب للسنة أولى علوم الأسماء التالية على التوالي في درس الوعي: شونجو، عالم أعصاب من المذهب الاختزالي (ق21)، برغسون (ق 20) فيلسوف حدسي، راسل، رياضي ذي نزعة تحليلية (ق20)، آلان، فرويد، لاكان، ماركس..
ضمن هذه الشروط، وعندما يضع المتعلمون بداية الفلسفة في القرن 17م وينسبون ديكارت إلى التجريبيين.. فهل الخطأ هنا فظيع حقا بحيث نستنتج منه أنهم ما فقهوا البسيط والأدنى، فكيف لهم بالمعقد والأعلى؟
هل معرفة اللحظات والمذاهب أمر أولي بسيط؟ وهل سيكون مفيدا تكليفهم بالجرد واﻹحصاء لرد الفلاسفة إلى بلدانهم والوفيات إلى سنواتها واﻷعلام إلى مذاهبها..؟ ماذا تعني حقا لتلميذ سنة أولى “العقلانية النقدية” إذا رد إليها كانط؟ وماذا تعني “الفلسفة الوسيطة” إن رد إليها ابن رشد؟ هذه مقوﻻت وتبويبات واضحة لنا كمتمرسين ولكن هل لها محتوى ومضمون بالنسبة للتلاميذ؟ هل معرفتهم بأن أرسطو يوناني وأن ديكارت فرنسي وان ابن رشد من أعلام الفلسفة العربية اﻹسلامية.. هل هذه المعرفة “الصحيحة” دليل على تعلم صحيح مطمئن. ألن تكون هذه مجرد معرفة بالتواريخ كما يقول كانط!؟
مما لاشك فيه أن التوفر على تصور ذهني للخط الزمني لتاريخ البشرية هو عماد الثقافة العامة وإحدى الأهداف الاستراتيجية للمدرسة ولمختلف موادها الدراسية (حقب ما قبل التاريخ وخصوصا العصر الحجري – حقب التاريخ وخصوصا الحقبة القديمة، الوسيطة، الحديثة ثم المعاصرة)، ومما لاشك فيه أيضا أن امتلاك المتعلم لتصور ذهني للحظات الكبرى لتاريخ الفلسفة والتي توازري حقب التاريخ، فضلا عن جنسيات الفلاسفة هو أمر بالغ الأهمية لجهة استيعاب أفضل للأفكار الفلسفية، لأن دلالات هذه الأخيرة وأبعادها ورهاناتها متأتية جزئيا من شروط إنتاجها أي من السياق التاريخي والحضاري.. ولكن..
ولكن أمام شساعة تاريخ الفلسفة وتعدد أسماء أعلامه وتشعب مذاهبه وفرقه ونحله، فاﻷهم من جنسية ديكارت هو أن يعرف تلاميذ الجذع مثلا أن الشك تعليق للحكم في انتظار الدليل، وأن الشك الديكارتي علامة على رغبة في تأسيس المعرفة انطلاقا من الذات وتجاوز الموروث.. ووضع أكثر اﻷشياء بداهة موضع شك. بل هذه المعارف هي الشرط الذي سيسمح لهم بفهم وتذكر انتماء ديكارت إلى بدايات حقبة هي الحقبة لحديثة وانتهاء أخرى وهي الوسيطة؛ وعوض جنسية أرسطو حبذا لو كانوا يعرفون شيئا من الموروث المفاهيمي اﻷرسطي من قبيل العلل اﻷربعة او تمييزه بين القوة والفعل..؛ واﻷهم من معرفة كون ابن رشد ليس من الحكماء الطبيعيين هو ان يتذكر التلاميذ محاججات ابن رشد لتبرير اﻻشتغال بالحكمة والنظر العقلي بوصفه من أوجب الواجبات الشرعية المنصوص عليها في القرآن الكريم نفسه، وأن الحق ﻻ يضاد الحق، وكذا تمييزاته الشهيرة بين ما هو بالعرض وما هو بالجوهر.. وتشبيهاته اﻷشهر حول الشَرَق والعطش والسكين والتذكية..؛ واﻷهم من معرفة جنسية الحكماء الطبيعيين والمناطق التي ينحدرون منها في آسيا الصغرى، أن يحتفظ التلاميذ بالجدة والجذرية التي طبعت تفكير هؤﻻء الحكماء من قبيل رد الكثرة إلى المبدأ الواحد، الحرص على التبرير العقلاني للأجوبة، تفسير الطبيعة بالطبيعة…
إذا استعرنا لهذه المعارف إسم “معرفة بالمبادئ” أو لنقل “معرفة بالمبادئ والمفاهيم”، فمعرفة أسماء المذاهب التي ينتسب إليها الفلاسفة، جنسياتهم ووفياتهم هي “معرفة بالتواريخ”. ودون الانتقاص من هذه الأخيرة، فهي ليست حجر الزاوية في التعلم الفلسفي، وليست مما ينبغي الحرص على ترسيخه لدى المتعلم والحرص على تشخيص مدى اكتسابه لها في بداية السنة. إنها في أسوأ الأحوال معارف عاطلة من الصعب تجنيدها في سياقات أخرى. وهي لا تكتسب معناها ووظيفيتها إلا من خلال المعرفة الأخرى، المعرفة بالمبادئ والمفاهيم.
لعل هذه الخواطر تكون أرضية للنقاش حول تعاقد ممكن على ما يمكن تسميته “الحد الأدنى المعرفي”، أو المعلوم من الفلسفة بالضرورة، الملزم للمتعلمين وللمعلمين، حتى وإن اختلفت طرائق تدريس هؤلاء والبناءات الإشكالية التي يختارونها أوالنصوص التي يشتغلون عليها.

Facebooktwitterredditmailby feather

دروس الفلسفة للسنة الأولى- الرغبة

ملاحظة حول هذه الدروس والملخصات

اانتبه هذا ليس درسا! بل مجرد مواد وعناصر لبناء الدرس فالدرس هو ذلك الفعل الحي والمتجدد الذي يكون الفصل الدراسي مسرحا له، ولاوجود له خارج هذا الفضاء حيث تتفاعل الفكرة الملقاة مع ردود أفعال المتعلمين المتجلية في أسئلتهم أو في تلك الارتتسامات البادية على وجوهم، كما تتفاعل مع انتباههم ولا مبالاتهم أيضا ..!إن الدرس هو ذلك المشروع الذ لاننتهي منه أبدا..!
قراءة المزيد

 

محاور الدرس:

الوضعية المشكلة:
هل نحن الذين نمتلك مانرغب فيه أم أنه هو الذي يمتلكنا؟

المستهدف من الوضعية المشكلة
نستهدف من هذه الوضعية-المشكلة دفع المتعلم إلى التفكير في مفهوم التملك: ما نتملكه وما يتملكنا ، داخل وضعية تراجيدية حيث يتعين الاختيار بين حب البقاء وحب الذهب وصولا إلى التمييز ولو بشكل أولي حدسي بين مفاهيم “الرغبة”، “الحاجة” و “الإرادة”

لنتأمل القصة أو الموقف الحياتي التالي بغض النظر عن طبيعته الواقعية او المتخيلة:

وضعية مشكلةوضعية مشكلة: يحكى ان سفينة أوشكت على الغرق، فسارع الركاب الى رمي انفسهم في البحر طلبا للنجاة سباحة وكان بينهم مسافر أصر على ألا ينجو إلا وبصحبته ثروته من الذهب، فما كان منه الا ان أوثق جيدا صرة أو صرتين إلى خصره، ولكنه ما إن تأمل الثروة الباقية حتى بدا له بسرعة أن ما أوثقه قليل، فأضاف المزيد، ومع ذلك كان الباقي لايزال أكبر مما حمل! فأضاف المزيد ثم المزيد، وأخيرا قرر أن يلقي بنفسه في البحر إسوة بباقي المسافرين، فكان مصيره أن هوى مباشرة الى القاع السحيق وغرق بسبب ثقل وزن الذهب! المسافر الذي أصر على النجاة بصحبة الذهب

بعض أسئلة:

من أغرق الآخر؟ هل أغرق الذهب صاحبه أم أن المسافر أغرق الذهب؟ ومن كان يمتلك الآخر؟ هل امتلك المسافر الذهب فحاول ان ينجو بما يملك؟ ام ان الذهب امتلك صاحبه فهوى به الى حيث تمضي كل الأجسام الثقيلة، إلى القاع؟ وما الذي اودى بمسافرنا؟ هل الحاجة الى الذهب ام رغبته فيه؟ هل يستوي الحرص على الحياة والنجاة مع الحرص على الذهب؟ ولكن ربما قدر مسافرنا بأن حياته هي هذا الذهب! ولاقيمة لها بدون هذا الذهب الذي أفنى زهرة شبابه لجمعه، وإلا لما يخاطر “الحراكة” بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى؟!

اانتبه انفتاح ممكن: يمكن هنا الانفتاح على التحليل الهيغيلي الذي يتناول الرغبة باعتبارها تجاوزا للوجود المباشر والطبيعي، ولحظة من لحظات الوعي بالذات، تلك الرغبة التي يغامر فيها الفرد بحياته ليتبث أن لم يعد متشبتا بالحياة أو غارقا في الطبيعة هنـــــــا

هل تستوي الرغبة التي يستشعرها المرء لامتلاك الذهب مع الرغبة في شرب الماء عند اشتداد الحر والاحساس بالعطش مثلا؟
إذا اتفقنا على أن الميل مختلف في كلا الحالتين فلابد أن نخص كل ميل بمصطلح (مفهوم) لتمييزه عن الميل الآخر

المفهمة أو البناء المفاهيمي:

لنحاول استثمار نتائج اشتغالنا على الوضعية المشكلة من أجل تحديد دلالات المفاهيم الأساسية

  • لا شك أن الاحساس بالعطش وماشاكله من الدوافع الملحة تعبير عن نقص أو خصاص بيولوجي يتعين ازالته واشباعه لاستعادة حالة التوازن. سنسمي هذا الدافع حاجة، ويتضح أن الحاجة ملحة وضرورية وان عدم اشباعها يهدد التوازن الداخلي للكائن وحياته وبقاءه. ومن أمثلة الحاجات: الحاجة الى الأكل والشرب والنوم والحماية من ظروف الطبيعة القاسية.
  • أما الميل إلى حيازة الذهب وما شابهه من الميول فلا يحمل الطابع الغريزي للحاجات، بل هو ميل مكتسب، تساهم الثقافة في خلقه وتنميته, ونسمي هذا النوع الثاني من النزوع الرغبة، ولاتنصب الرغبات على مواضيع واقعية فحسب بل و متخيلة أيضا كما في الاستيهامات، ومن بين مواضيع الرغبات : اقتناء ألبسة الموضة، الاستجمام في البحر، الحصول على وسائل الرفاهية، التدخين لدى البعض…
    إشكال: ألا تتحول الرغبات احيانا الى مايشبه الحاجات؟ عندما تتخد طابعا ضروريا وملحا؟ كما حدث للمسافر حيث ارتفع الحرص على الذهب درجة إلحاحه إلى مستوى الحرص على الحياة. ولكن ماذا تعني حياته اللاحقة بدون ثروته؟
  • ولكن الميل الى موضوع قد يكون ميلا مصحوبا بالتصميم والمثابرة والوعي؛ وننسبه في هذه الحالة إلى الارادة. وفي الغالب، لا يظهر عمل الارادة الا في تضاد مع إلحاح الحاجة او ضعط الرغبة لذلك تعرف الارادة احيانا بانها القدرة على الاختيار بين عدة إمكانيات، اختيارا واعيا مصحوبا بتدبير وتقدير ومحاكمة عقلية للأمور.

1-من الحاجة إلى الرغبة: أو جدل الرغبة والحاجة.

تحليل نص من الحاجة الى الرغبة لصاحبته “ميلاني كلاين”
سؤل النص او اشكاله المركزي:
كيف تنبثق الرغبات عن الحاجات؟ كيف تنتهي الرغبة غير المشبعة إلى الاحباط؟ مادور الرغبة، مشبعة أو محبطة، في تشكيل الانا وتثبيته وفي تكوين الشخصية بصفة عامة؟
أطروحة النص:
شخصية الإنسان-الراشد هي حصيلة الاشباعات و الاحباطات التي تعرضت لها رغباته خصوصا الرغبة الاولية، ألا وهي الرغبة في ثدي الام
تحليل اطروحة النص
* يبدأ ارتباط الرضيع بثدي امه كتعبير عن الحاجة الى التغذية بوصفه كائنا حيا سرعان ماتتحول هذه الحاجة الى رغبة في الشعور بالحماية والأمان والتخلص من الخوف والقلق الاضطهادي والدوافع التدميرية.
ولكن القلق الاضطهادي والدوافع التدميرية خبرات نفسية لاشعورية لايطالها وعي الراشد فما بالك بوعي الرضيع الذي لم يكتمل تشكله بعد !
إن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على أن الحاجات البيولوجية-الجسدية تتعرض منذ البداية للإستثمار من قبل بعض الدوافع والرغبات النفسية اللاواعية في الغالب ( أنظر نص “لاكان”: ” هل الرغبة ضد الإرادة؟”)
هناك طريقتان في الارضاع: الرضاعة المقننة التي تضبط زمن الارضاع وإيقاعه اليومي؛ وهناك الرضاعة العشوائية حيث يتم إرضاع الصغير كلما احتاج أو بكى وخلافا لما يعتقد، تذهب كلاين إلى أن الطريقة الاولى تساهم أكثر من الثانية في تكوين شخصية الفرد. في الحالة الثانية، لايوجد بين الرغبة وإشباعها مسافة زمنية كافية ليعبر الرضيع بواسطة البكاء عن (ويتخلص من) جزء من القلق والتوتر والمعاناة التي يسببها مشاعر القلق الاضطهادي والدوافع التدميرية فكيف ذلك؟

بيان ذلك في الخطاطة التالية

النشاط الابداعي إذن اشباع بديل عن إشباع أصلي، أولي تعرض للحرمان، بالتالي تمثل الرغبة المحبطة طاقة محركة للنشاط الابداعي وهي مايسميه فرويد “الطاقة الليبيدية” ذات الطبيعة الجنسية او العدوانية

مفاهيم النص
يحفل النص بمجموعة من المفاهيم المنتمية الى قاموس التحليل النفسي ويوجد بين التصور الوارد في النص وتصور فرويد اكثر من نقطة تقاطع وذلك من خلال حضور مفاهيم مثل: الانا، اللاشعور، الإعلاء… سنتوقف هنا بالخصوص عند ثلاثة مفاهيم بارزة
القلق الاضطهادي: يشير هذا المفهوم عند ميلاني كلاين إلى مجموع الخبرات النفسية الناجمة عن مشاعر الألم والاحباط والتضايق التي يستشعرها الرضيع كلما عجزت الأم عن إشباع حاجاته من الغذاء أو التواصل أو الشعور بالحنان؛ يستشعر الرضيع هذا الحرمان بوصفه خطرا واضطهادا مسلطا عليه
الدوافع التدميرية: بجانب غرائز الحياة، ينطوي الليبيدو – عند الطفل كما عند الراشد – على غرائز الموت والتدمير التي لا تتحه فقط ضد أشياء العالم الخارجي و بشكل خاص ضد ثدي الأم بالنسبة للرضيع، بل ضد جسمه بالذات أيضا.
العلاقة الشيئية: (بصفة عامة) هي العلاقة التي يتحول فيها الطرف الثاني، ماليس في الأصل شيئا، إلى شيء مع مايعنيه ذلك من حيازة وتملك وتبعية لإرادة الذات ورغبتها وأهوائها؛
(في سياق النص) لأن الرضيع يحصل على ثدي أمه عند أول صرخة بكاء، يتحول الثدي، بسبب ذلك إلى مايشبه الشيء: رهن الإشارة، مستسلم، دائم الحضور، مثله مثل باقي الأشياء المؤثثة لعالم الرضيع!

الأساليب الحجاجية
الأساليب الحجاجية التي اعتمدتها “كلاين” لإثبات أطروحتها
لإثبات دعواه، توسل النص بمجموعة من الأساليب الحجاجية الاستدلالية منها والبلاغية. نذكر منهما إثنتين لعلاقتهما بالمنهج العلمي:
الملاحظة:
وردت الملاحظة في قولها: ” ولنلاحظ بهذا الصدد ونحن نتناول الطرق الجديدة في إرضاع الطفل، كيف أن بعض هذه الطرق…”
والملاحظة هي معاينة الوقائع والظواهر بالحواس الخمس او بعضها، وقد يراد بالملاحظة لا المعاينة نفسها بل الاستنتاج المستمد منها، تتجلى الملاحظة في النص عند حديث كلاين عن علاقة الرضيع بثدي أمه وكذلك طرق الارضاع.
تتميز ملاحظة الفيلسوف عن ملاحظة الحس المشترك بكونها تتخد الظواهر المعتادة المألوفة موضوعا لها، وتتجاوز مستوى تسجيل الظاهر من الوقائع بحثا عن جوهر الاشياء وعلل الاحداث.
وتكمن الوظيفة الحجاجية للملاحظة في كونها تمنح الوقائع المعروضة الصفة الواقعية ، وتبعد عنها شبهة الاختلاق أو الخيال، فترفع درجات التصديق بها من طرف القارئ أو السامع،
وتزداد قوتها الحجاجية كلما اقترنت بمرجعية أو سلطة معرفية ، كما في قولنا:”” لاحظ العلماء وجود علاقة وثيقة بين الإصابة بالسرطان والتدخين…””
ومن الجدير بالذكر، أن كلاين قد استخدمت صيغة الأمر أو الحث بقولها : ” ولنلاحظ”، بما يوحي ان الملاحظة ليست أحادية، بل مشتركة بين كلاين وقارئها !، وكأن هذا الأخير يساهم بدوره في إنتاج الملاحظة والحجة la production de la preuve””
الاستماع: ملاحظة عير مباشرة يتوسط فيها صاحب الشهادة بين الذات الدرسة وموضوع الدراسة، والاستماع واحد من اهم الاساليب العلاجية في التحليل النفسي، وهو مايعرف بتقنية الأريكة Le divan . وقد ورد الاستماع في النص عند الحديث عن شهادات الراشدين وذكرياتهم عن طريقة الارضاع التي
خلاصة: من الواضح ان علاقة الرضيع بثدي أمه تتجاوز مجرد الحاجة البيولوجية إلى الطعام لملء معدته والتخلص من ألم الجوع، إن الثدي يلخص بالنسبة للرضيع الموضوع الأول لرغباته، بل إن الطفل يعتبر ثدي أمه ومن خلاله جسدها امتدادا لجسده الخاص، وستنطبع شخصية الراشد وحرصه على امتلاك أشياءه وما يخصه بهذه العلاقة/الرغبة الأولية بثدي الأم. تاريخ الشخصية هو تاريخ “أزمات” وعقد وصراعات، بيد انها تتخد بالنسبة لــ “ميلاني كلاين” طابعا إيجابيا لأن كل صراع يتضمن بالضرورة تصور حل لهذا الصراع مثلما أوضحنا في الخطاطة.

2-الرغبة والسعادة

استشكلات أولية:
يتولد عن تحقيق الرغبة شعور بالاشباع والارتياح واللذة و…السعادة. والسعادة أحيانا هي ما نتصوره غاية لنا قبل الحصول على موضوع الرغبة؛ اما عدم اشباع الرغبة فينتج عنه شعور بالحرمان والاحباط والشقاء.
هل يمكن أن يسعد بشيء من لم يرغب فيه قبلا؟
هل يمكن للرغبة للسعادة ان تنفصل عن الرغبة ام ان السعادة ليست سوى اشباع لرغبة أي شعور بالامتلاء والاكتفاء عقب الخصاص؟

إذا كنا لانسعد إلا بعد أن نرغب، لأن السعادة والبهجة تتعاظمان كلما كانت الرغبة المتقدمة عليهما أعظم بدورها. وحيث أن الرغبة خصاص ونقص، فهل يعني ذالك ان علينا ان نشقى قبل ان نسعد ؟!!
إذا كان عدم تحقق الرغبة يورث مشاعر الحرمان والاحباط والاحساس بالشقاء الذي هو نقيض السعادة، فهل لنا أن نختار حياة بدون رغبات، حياة لايعكر صفوها إلحاح الرغبات، او على الأقل حياة ونمط عيش بالحد الأدنى من الرغبات كما تقترح علينا الفلسفة الأبيقورية؟

تحليل نص: الرغبة والابتهاج
حول النص:
يندرج هذا النص ضمن المناح الفكري السائد في القرن السابع عشر والذي تميز بالسعي لتفسير “حركات” النفس أي انفعالاتها تفسيرا طبيعيا ميكانيكيا
اشكالية النص
كيف تتولد الرغبات في النفس؟ وكيف تتولد تلك الرغبة الخاصة التي ندعوها بالهوى او الحب الشديد؟
أطروحة النص: تتولد مختلف الرغبات إما من انفعال البهجة أو النفور، وأقوى ما بتولد عن انفعال البهجة من الرغبات والميول هو الحب.

بنية النص او مراحل تشكل الاطروحة داخل النص :
أ التمييز بين انواع الرغبات تبعا للموضوعات التي تنصب عليها
ب- اختزال الرغبات المتنوعة الى رغبتين رئيسيتين: الحب والابتهاج من جهة ثم الكراهية والنفور من جهة ثانية؛
ح- جينيالوجية الرغبات: تتولد الرغبة الشديدة في الشيء بفعل تخيل وتصور مقدار اللذة والبهجة التي سنحصل عليها بحصولنا على موضوع الرغبة —< تفسير عقلاني للرغبة يرجع منشاها إلى عملية فكرية تصورية
د – تراتبية الرغبات: أقوى انواع البهجة هو الابتهاج الذي يتأتي من الكمالات التي نتصورها في شخص المحبوب بوصفه ذاتنا الأخرى.
هـ- هذه القدرة على الميل تنصب وتتوزع في العادة بين موضوعات أو مرغوبات متعددة، وفي حالات خاصة تتجه كل قدرات الميل، التي منحتنا إياها الطبيعة، نحو موضوع أو شخص واحد اعتقاد منا انه يحققق لنا منتهى الكمال الذي يمكن تصوره. في هذه الحالة تأخد الرغبة إسم “الحب”

يفسر ديكارت الحب على انه ميل شديد نحو شخص نعتقد انه ذاتنا الأخرى. وهو تصور للحب شبيه للتصور الأفلاطوني الذي يقول إن كل نفس قد انشطرت نصفين فغدا كل نصف متشوقا محبا لنصفه أو لمن يعتقد انه نصفه الثاني!

ملاحظة: أليس الإسم الملائم لهذا الميل هو ” الهوى” أو الشغف passion ؟

البنية الحجاجية في نص ديكارت
اعتمد ديكارت على عدة اساليب حجاجية لإثبات اطروحته و دعواه، نذكر منها:
تقنية القسمة: ومن أشهر أنواعها: القسمة العقلية، كقول علماء الكلام المسلمين: لايخلو الشيء الفلاني أن يكون إما كذا أو كذا
في النص : تقسيم الرغبات تبعا للموضوعات التي تنصب عليها
رد المتعدد إلى الواحد: وتصنيف الرغبات واختزال كثرتها بردها إلى أصناف قليلة العدد..
في النص : الرغبات على اختلافها ليست سوى أجناس لنوعين رئيسين الحب والكراهية أو البهجة والنفور: يكفي أن علم أن هناك أنواعا من الرغبات بقدر ماهناك من أنواع الحب والكراهية…”
تقنية السؤال الخطابي وهو السؤال الذي يعقبه مباشرة جوابه ويدخل هذا النوع من السؤال ضمن تقنيات العرض والحجاج ومن أهدافه: توجيه انتباه القارئ وإعداده لتلقي الجواب، حثه على متابعة القراءة، خلق دينامية داخلية وفضاء حواري وبوليفونية (تعدد الأصوات) عوض رتابة الصوت الواحد في العرض التقليدي. وأكثر من يستعمل هذا النوع من السؤال الخطباء والمدرسون.
في النص : فما الرغبة التي تولدها البهجة؟
ا لامثلة استعملت الامثلة لتوضيح الافكار المجردة. تكمن الاهمية الحجاجية للمثال في كونه يخاطب المخيلة ويسهل عملية حصول التصور المجرد في الذهن من ثم التصديق، لأن العلم تصور أولا ثم تصديق.
في النص : ومثال ذلك ان جمال الأزهار يحظنا على…
لو أخدنا مثلا الفضول وحب الاستطلاع…. –
أساليب بلاغية: تقدم القضايا بصيغة الاقتراح والحث دون إلزام:
في النص: لكن يكفي ان نعلم بان…
إنه من الأصوب ان نميز بين….
على عكس صيغ في نصوص أخرى ذات طابع إلزامي، مثل: من الواجب/علينا ان …/ لامناص من… /إذا كان.. يترتب عليه أن…/ إعلم أن…

السعادة واقتصاد الرغبة

تحليل النص: اللذة مبدأ الحياة السعيدة،

اشكالية النص:
..ما العلاقة بين اللذة والسعادة ؟وماهو شكل الاشباع المفضي الى حالة السعادة؟
أ طروحة النص: يقدم النص ما يمكن اعتباره ” اقتصاد اللذة” أو “اقتصاد الرغبة” يبدأ بتحليل دقيق لماهية الرغبات وحقيقتها وأصنافها ليفضي في النهاية إلى سعادة الكفاف أو لذة الحد الأدنى. وبعبارة أخرى، فاللذة تحصل أيضا عند عدم الشعور بالحاجة إلى اللذة! وذلك عند استبعاد مثيرات الألم والخصاص.
تحليل الأطروحة:
يسلك النص في سبيل لإثبات أطروحته منهج ” القسمة” ( التي رأيناها في نص ديكارت) يقسم الرغبات ومن ثم اللذات إلى:
لذات ورغبات طبيعة
رغبات ولذات عبثية، غير طبيعية: : الشهرة، التأنق في اللباس…
والطبيعية تنقسم بدورها إلى:
ضرورية؛
وغير ضرورية: كالجنس، واكل اللحوم…
والضرورية بدورها تنقسم إلى ما هو:
ضروري للسعادة؛
ضروري لتجنب آلام الجسم؛
ضروري للحياة.
وفي كل قسمة يستبعد أبيقور شقها الثاني، وصولا إلى القسمة الأخيرة: فالضروري للحياة هو مابدونه يهلك الإنسان كالأكل والشرب، و “الضروري للسعادة” يختزل – في نهاية المطاف وبعد التحليل – إلى ما يجنبنا الآلام والاضطرابات. في هذه الحالة تسكن النفس، فلا تعود تبحث عن شيء آخر للحصول على خير أكمل.
فتكمن السعادة في اشباع الحاجات الطبيعة الضرورية دفعا الالم ووصولا الى حالة السكينة او السلام الدخلي Ataraxie وهي غياب اضطربات النفس وسلامة البدن
انفتاحات ممكنة:
يقول فخر الدين الرازي: ليست اللذات الحسية في الحقيقة سوى دفع الالم، وبالفعل فالسعادة الأبيقورية ليست سعادة إشباع بل سعادة دفع للألم ومسبباته وفي مقدماتها الرغبات غير الطبيعية أو غير الضرورية

نص مكمل:
نص ” هل تكمن السعادة في قهر اللذة؟”

اطروحة النص
يمكن أن نلاحظ في النص آثارا للموقف الأفلاطوني من الرغبة والشهوة ( الذي سبقت دراسته) مضافا إليه تأثير النظام القيمي-الأخلاقي الإسلامي يميز ابن مسكويه بين اللذات الحسية الحيوانية و اللذات العقلية الشريفة الاولى تتعلق بالجسم بينما تتعلق الثانية بالنفس ومن جعل سعادته القصوى في تحصيل اللذات الحسية فقد رضى بأخس العبودية لأخس الموالي!

3- الرغبة، الوعي، الارادة والحرية

استشكالات أولية:
ما العلاقة بين الحدود المكونة للعنوان؟ بالعودة إلى مسافرنا “الغريق”، يمكن للفيلسوف أن يتساءل: هل كان مسافرنا يريد فعلا ما قام به (الحرية)؟ أم أنه كان مدفوعا بما يتجاوز إرادته (غياب الحرية)؟ ولكن السؤال عن الحرية يشترط سؤالا مسبقا عن الوعي: هل كان مسافرنا على وعي وبصيرة تامتين بطبيعة رغبته الجامحة في النجاة بصحبة الذهب؟ هل كان بمقدوره آنئد أن يجعل رغبته موضوع تأمل؟ أم ان الرغبة استبدت به فألغت كل تفكير وتدبر؟
طرح الإشكال:
هل يمكن ان نتحكم في رغباتنا؟ هل تقع الرغبة داخل مجال الارادة والوعي او خارجهما ؟

أ- الإنسان كائن راغب:

تحليل نص: الرغبة ماهية الإنسان
إضاءة: الرغية بين ديكارت واسبينوزا: الحوار بين النصين سبق أن رأينا في نص ديكارت، أن هذا الأخير يذهب الى ان التصور يخلق الرغبة اي ان تصور السعادة والبهجة والخير المتوقع من الموضوع يخلق فينا الرغبة فيه. ولكن مالذي يبعث ويحرك هذا التصور أصلا في الذهن؟
إشكال النص: هل الرغبة تابعة للتصور وصادرة عن الوعي والإرادة أم العكس؟ هل نرغب في الشيء ونشتهيه لكوننا نعتقده شيئا طيبا أم نعتبره شيئا طيبا لكوننا نرغب فيه ونشتهيه؟
أطروحة النص:
ينظر اسبينوزا الى العلاقة بين التصور والرغبة نظرة مخالفة للتصور الديكارتي: إن الرغبة هي التي تخلق التصور. لا العكس.
يقول سبنوزا: لانرغب في الشيء ونشتهيه لكوننا نعتقده شيئا طيبا بل نعتبره شيئا طيبا لكوننا نرغب فيه ونشتهيه
— إن الاعتقاد (التصور) تابع للرغبة لا العكس، بل يذهب اسبينوزا إلى حد القول بأن “الشهوة والرغبة ماهية او جوهر النفس” بمعنى ان الإنسان – جوهريا – كائن راغب
مفاهيم النص:

يكاد اسبينوزا ينفرد بأسلوب خاص في التفلسف. يتميز هذا الأسلوب بالوقوف المتكرر عند دلالة المفاهيم تعريفا وتحديدا وتمييزا. ولذلك سببان:
أ- طلب الوضوح، وهو مطلب فلسفي بامتياز: إذ لايمكن للتفكير الفلسفي أن يمضي قدما في البحث مستعملا ألفاظا وحدودا غامضة المعنى، لم تتحدد دلالتها بدقة؛ وتلك كانت عادة سقراط في جل حواراته حيث يستفهم المحاور عن دلالة المفهوم المعبر عن موضوع الحوار كالشجاعة والجمال والتقوى…
ب-التأثر بالمنهج الرياضي الهندسي، الذي يقتضي تعريف الأشكال والمتغيرات والحدود المستعملة قبل الشروع في البرهنة. ونصنا مقتبس من كتاب “الأخلاق” حيث طبق هذا المنهج لى امتداد الكتاب.
نظرا لحرص اسبينوزا نفسه على تعريف مفاهيمه، فقد تضمن النص تعاريف للمفاهيم التالية، (وسيأتي الحديث عنها في البنية المنطقية للنص)
الرغبة:
الشهوة
الإرادة
البنية المنطقية للنص:
لم تخرج البنية المنطقية عن شكل الاستدلال الرياضي-الهندسي:

الأفعال المنطقية صيغتها في النص دلالتها
تعريف تتألف ماهية النفس من أفكار تامة وغير تامة ملاحظة: تعريف وضعه اسبينوزا وضعا. بمعنى أنه لم يقم عليه دليلا، وإنما جعله مقدمة للتدليل على ما سيأتي
استنتاج أول ومن ثم فهي تبذل جهدا من أجل الاستمرار في وجودها “الوجود” هو في الحقيقة “جهد للإستمرار في الوجود”. وذلك قانون طبيعي يسري على جميع الموجودات : كل يحاول البقاء على وضعه. والنفس البشرية بدورها تبذل جهدا لحفظ الوجود أي للإستمرار في الوجود، طبيعة هذا الجهد وغايته تمليه طبيعة الأفكار التي في النفس
تذكير ولما كانت…
استنتاج ثان فهي إذن… مثلما تعي النفس أفكارها كذلك تعي جهدها
تعريف إذا تعلق الجهد ب…. سمي… إذا توقف الجهد على قدرة النفس وحدها، دون الجسم، أي أن الجهد المبذول لاتقف من ورائه مطالب الجسد، فهو إرادةا
تعريف ثان إذا تعلق الجهد ب…. سمي… إذا استهدف الجهد تسكين النفس والجسد، فهو شهوة
كل ما تتعلق به الشهوة (الدوافع البيولوجية من اكل وشرب وجنس) ضروري لحفظ وجود الإنسان وبقائه.
تعريف ثالث تتعلق الرغبة عموما بأفراد الإنسان من حيث أنهم يعون رغباتهم – تعريف: الرغبة هي الشهوة المصحوبة بوعي ذاتها.
ب-الرغبة والحرية :

عودة للشق الثاني من الإشكال: هل تقع الرغبة داخل مجال الارادة والوعي او خارجهما ؟

حسب اسبينوزا فإننا نعي رغباتنا ( الرغبة هي شهوة تعي ذاتها-أنظر تعريفه السابق) لكننا لا نعي عللها الحقيقية التي تحتجب غالبا خلف علل تبريرية تمويهية
يقول اسبينوزا: “إن الناس يعون حقا أفعالهم ورغباتهم، إلا أنهم يجهلون العلل التي تجعلهم يرغبون في شيء من الأشياء”
لإثبات ذلك عمد اسبينوزا إلى مايلي:
-اولا: استدعاء مفهوم العلة الغائية، مستعينا بمثال: إن تصور مزايا الحياة المنزلية كان دافعا وغاية يرتجيها مشيد المنزل
-ثانيا: تصحيح المفهوم الشائع: إن العلة الغائية السابق ذكرها هي في الواقع علة فاعلة، وبما أن تعريف العلة الفاعلة هو مامنه يصدر الفعل، فقد جعل اسبينوزا من الرغبة – لا من صاحبها- مصدر الفعل
-ثالثا: التمييز بين العلة الأولى والعلة الجزئية :هذه الرغبة-العلة ليست علة أولى، بل مجرد علة جزئية، بمعنى أنها مسبوقة بعلل أخرى حتمت وجودها، لإذ يمكننا في هذه الحالة ان نسأل ولماذا يرغب في مزايا الحياة المنزلية؟ وهل كل من رغب في هذه المزايا شيد منزلا؟ ولماذا الآن وليس قبل أو بعد..إلخ
-رابعا: الاستنتاج بأن البشر أبعد مايكون عن إدراك العلل الحقيقية لرغباتهم، وكل مايقع عليهم نظرهم هو العلة المباشرة الجزئية، لأن كل علة معلولة لأخرى وهكذا إلى ما لانهاية، وذلك ضمن شبكة شاملة من العلل على المستوى الكوني

اانتبهملاحظة: لابد من الإشارة إلى التصور الحتمي عند اسبينوزا: كل مايقع في الكون من أحداث وكل مايعتمل في النفس من انفعالات ومايتمثله العقل من أفكار، كل ذلك إنما يحدث حدوثا خاضعا للحتمية والضرورة الكونية التي تمليها سلسلة لامتناهية من العلل، تفرضها طبيعة كل موجود
في رسالة إلى صديقه shuller يضرب اسبينوزا المثال التالي: إذا تلقى حجر دفعة من جسم آخر، فسيتحرك ويستمر في الحركة لمدة معينة بعد انتهاء تماس الجسمين، ومن المحتمل أثناء ذلك أن يتخيل الحجر – وهو منطلق الآن لوحده – وكأنه هو نفسه علة حركته! وما ذلك إلا بجهله بالعلة الحقيقية لحركته، والحقيقة عكس ذلك

بهذا تكون حدوس اسبينوزا قد سبقت كشوفات التحليل النفسي مع فرويد: وإذا كان احتجاب العلل الحقيقية عن الإدراك يرجع عند اسبينوزا إلى الجهل، فإنه عند فرويد يرجع إلى ميكانيزمات دفاعية لاشعورية: إن علل الرغبات ودوافعها تنتمي إلى سجل اللاشعور، وتحت ضغط الأنا الأعلى يصوغ الأنا مبررات تعويضية بديلة
يقول “لاكان”: حيثما توجد الرغبة يوجد اللاشعور(…) إن اللاشعور لغة توجد وراء الشعور، وهنا بالضبط تتموضع وظيفة الرغبة” نص ص 33 من الكتاب المدرسي-الشعبة الأدبية)
وما العلاج النفسي سوى مساعدة المريض على تعرية هذه الطبقات المتراكمة من التبريرات المضللة التي تحتجب خلفها الرغبات.

مثال: فالمراهق الذي يرغي في اقتناء دراجة نارية فخمة، هل يعرف بالضبط لماذا يريد تلك الدراجة؟ هل ما يرغب فيه فعلا هو الدراجة؟ أم نيل شيء من الزهو والثقة أمام أقرانه، وشيء من الإجاب من زميلاته، والشعور بالقوة بل وبالرجولة؟!
والفتاة التي عقد قرانها وفي الأيام التي تسبق ليلة الزفاف، تصلب بنوبات من الفوبيا والهيستيريا وترى في منامها بشكل متكرر القطط السوداء والعناكب… هل يتعلق الأمر بقطط وعناكب أم بمخاوف مقنعة من المجهول المرتبط في ذهنها بتلك الليلة التي تنسج حولها الثقافة الكثير من الأساطير والقليل من الحقائق؟؟!!
خلاصة: يتوهم الناس أنفسهم أحرارا في اختيار ماتقع عليه رغباتهم، وما ذلك إلا بجهلهم بالعلل الخفية لرغباتهم.
إن الرغبات مشروطة على نحو حتمي بعلل لامتناهية لايستطيع وعي الفرد الإحاطة بها مجتمعة.

نص محاور:
نص أفلاطون: ” هل يمكن إخضاع الرغبة للعقل؟
يعرض هذا النص لتصور ولتحليل يمجد العقل مانحا إياه الأولوية في مقابل الرغبة، على خلفية استبعاد تام لمفهوم اللاوعي، إنطلاقا من الثنائية التالية:
قوة عاقلة وهي مبدأ التفكير، والتفكير يمنحها امتياز الأمر والنهي ورعاية النفس بأسرها؛
قوة شهوانية لاعاقلة هي مبدأ الإنفعالات من حب وخوف وغضب وجوع وعطش
ملاحظة: في الواقع، يميز أفلاطون بين ثلاث قوى في النفس الإنسانية: عاقلة، شهوانية (الحاجات البيولوجية) وغضبية(انفعالات النفس)
تعليق: هل الإنسان كائن عاقل فحسب؟ أليس كائنا راغبا، حيث يسوس العقل الهوى لا العكس؟

نص إضافي: نص هيغل كيف يحقق سلب موضوع الرغبة وعي الذات بنفسها؟
أطروحة النص: يقدم النص تصورا جدليا (دياليكتيكيا) للرغبة، باعتبارها لحظة السلب الضروررية التي يمر منها الوعي في حركته من أجل وعي ذاته.
تحليل أطروحة النص:
يمكن صياغة مضمون النص وفق لحظات المنهج الجدلي الثلاث

الرغبة هي رغبة الذات— الأطروحة
ولكن الرغبة أيضا وأساسا رغبة “فيما سوى الذات”، في شيء آخر غير الذات: إنها خروج الذات من تطابقها مع ذاتها، اعتراف بوجود الموضوع خارج الذات وبعيدا عن متناولها—– نقيض الأطروحة
ولكن إشباع الرغبة يقتضي حتما تدمير الموضوع المرغوب فيه أي إلغاء وجوده المستقل عن الذات— التركيب

أمثلة: حصولي على الطعام الذي كنت أرغب فيه يعني أكله وإلغاءه وتمثله من طرف جسمي؛ حصولي على القميص الذي كنت أتأمله قبل قليل في واجهة متجر الألبسة، يعني انه أصبح “لي”، كان قبل قليل “ذلك القميص” والآن أصبح “قميصي”! وإلحاق “ياء” النسبة به يعني إلحاقه بي وتأكيد كينونتي وإلغاء وجوده المستقل

Facebooktwitterredditmailby feather

كتاب عوالم الفلسفة لأقسام الجذع المشترك

صدر أواخر شهر ابريل 2012 عن دار الثقافة للنشر والتوزيع، كتاب عوالم الفلسفة، متضمنا دروس الجذع المشترك في حلة جديدة تجدونه في الأكشاك والمكتبات
يمكن طلبه مباشرة من دار الثافة للنشر والتوزيع

يمكن الاطلاع على معلومات الطبعة الثانية من هنا:

https://falsafa.info/courtc2.php

هاتف (522302375 212)- 522307644 (212)
شارع فيكتور هيكو
ص.ب: 4038 الدار البيضاء ـ المغرب

أو من المكتبات التالية
=الرباط:
– . . .المكتبة الشعبية، شارع محمد الخامس
– . . . مكتبة كليلة ودمنة
– . . . مكتبة السلام، العكاري
– . . . مكتبة الأطلس، زنقة سيدي أحمد
= مكتبة الشمال بتطوان
= مكتبة المعرض، مكناس
= مكتبة شاطر، مراكش
= مكتبة المناهل الجامعية، القنيطرة
= مكتبة المعارف ،الطالعة الصغيرة
مكتبة المناهل الجامعية، شارع مولاي إدريس، فاس
= مكتبة الأمة، فاس

غلاف الكتاب المدرسي للجذع المشترك

فهرس المحتويات

كيف أصبح فيلسوفـ(ة)ـا؟ شروطٌ ستة. 5
كيف استعمل هذا الكتاب؟ 7
قواعد المنهج لحسن استثمار هذا الكتاب (للسادة الأساتذة) 9
1. جبابرة وبرق وعربة تطير يجرها تيْسان.. في البدء كانت الأسطورة 10
2. لو استطاعت الثيران والخيول الكلام..! شيء من العقل في مقابل الخيال.. 16
3. ولكن ما أصل هذا الكون؟ ماء؟ هواء؟ ذرات أم.. بداية المغامرة الكبرى للعقل.. 19
-الماء أصل الكون 19
-الهواء أصل الكون 21
– اللامتناهي أصل الكون 21
4. السلحفاة تسبق اسرع العدائين..! الفلسفة والنسقية والتقابلات المذهبية 25
التغير المستمر، (هيراقليط) 25
كل شيء ثابت (بارمنيدس) 28
5. من السماء إلى الأرض..سقراط !(دراسة مؤلَف فلسفي) 33
◌محاورة أوطيفرون: الجزء الأول◌ 33
◌محاورة أوطيفرون: الجزء الثاني ◌ 37
◌ محاورة أوطيفرون: الجزء الثالث ◌ 41
◌ محاورة أوطيفرون: الجزء الرابع ◌ 44
6. فلسفة، فيلوصوفيا..! أصل الكلمة 51
7. الفلسفة في مواجهة التحريم..! الفلسفة في بلاد الإسلام 53
8. الفلسفة في معرض الدفاع: إشكالية المثاقفة 57
الكندي 57
ابن رشد 59
9. هل بعد جميع الاتجاهات توجد اتجاهات أخرى..!؟ مقدمة في علم المنطق 63
القضايا 63
الإستدلال 65
العكس المستوي 66
القياس 67
الاستقراء 68
10. هل تساعد الفلسفة على علاج نزلة برد..!؟ الفلسفة الحديثة والعلم الظافر 70
النهضة العلمية في العصر الحديث: معالم تاريخية 70
المنهج وسر نجاح العلم 73
آمال العلم ووعوده 74
11. لماذا تخلف العرب وتقدم غيرهم!؟ انشغالات الفلسفة المعاصرة 78
12. بحثا عن كاسبر وبقية الأشباح… رفقة الفيلسوف في مغامرة الشك 82
الشك في شيء من الأشياء 82
الشك في كل الأشياء والمعارف 86
الشك في وجودي 88
13. أيتها الدابة! لِمَ لا تحدثيني عن سعادتك؟التفلسف والدهشة 90
لنجرب الدهشة، لنندهش أولا 90
لنكتشف سر هذه الدهشة 92
لنميز الدهشة عن أشباهها 93
14. لقد قلت لك: ناولني كرسيا.. الفلسفة، اللغة والمفاهيم 95
المعنى العام أو الحد الكلي 96
النوع، الجنس، الفصل والخاصة. 97
شروط التعريف 99
صحبة الفيلسوف وهو يعرّف المفاهيم 99
15. هل المصارعة غير عادلة بالنسبة للثيران؟المعضلة، المفارقة والأشكلة 103
مفارقات العدالة 103
مصدر المفارقات 105
16. العقل يحررنا من الأهواء، لكن هل..؟ الجواب الذي يتحول إلى سؤال 107
17. إحراق الضالين أحياءا.. التسامح ومشكلة الاختلاف والتعددية 112
اختلافنا عن بعضنا 112
كيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟ 113
18. هل الإنسان مُخيّر أم مُسيّر؟ الفلسفة والحِجاج 117
19. استعباد النساء التمثلات المشتركة والأحكام المسبقة 121
اﻷحكام المسبقة 121
شرنقة اليومي 123
20. وجها جانوس.. أسباب الوضعية القلقة للفلسفة في بلاد الإسلام 125
الوجه الأول: اﻻحتفاء بالفلسفة 125
الوجه الثاني: التوجس من الفلسفة ورفضها 126
21. والآن، ماذا تعني الفلسفة؟ أخيرا! مشكلة تعريف الفلسفة 127
22. انكسمندريس، فيثاغورس..لِمَ هذه الأسماء الغريبة!؟ اليونان أو الإغريق 132
أين تقع هذه اليونان!؟ 132
والآن لماذا اليونان؟ 133
هل هي معجزة؟ 134
23. كيف أقرأ نصا فلسفيا؟ خطوات القراءة الفلسفية المنهجية 136
فهرس الأعلام والنصوص والكفايات 138
تفصيل قواعد المنهج لحسن استعمال الكتاب..(خاص بالسادة الأساتذة) 140
مقتطفات من المنهاج: التوجيهات التربوية لمادة الفلسفة الخاصة بالجذوع المشتركة 143

غلاف الكتاب المدرسي للجذع المشترك

Facebooktwitterredditmailby feather

درس فلسفي بالفرنسية مع تلامذة الجذع المشترك

رس فلسفي بالفرنسية مع تلامذة الجذع المشترك

الزملاء الكرام
أقدم لكم اليوم تجربة فصلية جديدة أشبه بالمغامرة: درس فلسفي باللغة الفرنسية مع تلامذة الجذع المشترك علمي
كان الدرس باللغة الفرنسية نتيجة لحضور الحصة من قبل أساتذة أجانب من ألمانيا رغبوا في التعرف على كيفية تدريس الفلسفة في بلاد الإسلام!!. وقد حضر هؤلاء في إطار شراكة -أتشرف بإدراتها- بين ثانوية الفارابي حيث أعمل وثانوية ألمانية يعمل بها هؤلاء الأساتذة…

عنوان الدرس: En compagnie du philosophe dans l'aventure du doute
رفقة الفيلسوف في مغامرة الشك

وقد كانت لحظات الدرس كالتالي:
-قراءة نص بالفنرسية مقتبس من "المنقذ من الضلال" وكان قد سبق أن درسنا نفس النص في نسخته العربية في حصة سابقة
-مشاهدة مقاطع من فيلم "الغزالي، كيمياء السعادة"، وهي مقاطع ذات صلة وثيقة بمضمون النص (دوافع الشك، خداع الحواس، الشك في المعرفة العقلة، اسباب اضطرار الغزالي لحفظ الكتب عن ظهر قلب، اختيار طريق التصوف..)
-مناقشة

ملاحظة هامشية: كانت هذه تجربتي الأولى في إلقاء درس بالفرنسية، وقد بدا لي أن الفلسفة بالفرنسية ليست أصعب من الفلسفة بالعربية (نسبيا). في كلا الحالتين تظل الفلسفة "لغة" غامضة بغض النظر عن اللغة التي ندرس بها، إن لم نحسن تقريبها من أذهان الناشئة!

أتمنى لكم مشاهدة ممتعة ومرحبا بأية ملاحظات
 

Facebooktwitterredditmailby feather

فيديو درس تطبيقي إشكالية الحقيقة والرأي

فيديو درس تطبيقي. موضوع الحصة:إشكالية الحقيقة والرأي

حجرة الدرس هي المكان الحميمي للمدرس: نادرا ما يقبل هذا الأخير حضور أغيار معه في هذا الفضاء باستثناء التلاميذ طبعا. وحتى لو طلب منه مدرس مبتدئ الحضور من أجل الاستفادة، فسيقبل حضور هذا الضيف على مضض!! يبدو أن الأمر يحتاج إلى تحليل نفسي!
يمنح انغلاق هذا الفضاء للمدرس نوعا من العفوية والتلقائية وأيضا الثقة بل و “السيادة”. لكنه أيضا يحرمه من أهم شيء: النظرة الموضوعية النقدية للغير.. كما يحرم هذا الغير نفسه من فرصة الاطلاع والاستفادة من تجارب الآخرين.. وهكذا يجتهد كل واحد منا في إبداع درسه، لكن كل هذا المنتوج يندثر في نهر الزمن الجارف بمجرد انصرام الحصة.
أظن ان هذه أسباب كافية لكي نفتح الحدائق الخلفية ونكسر الجدران الإسمنتية السميكة لحجرة الدرس، وحيث أننا نعيش زمن تقنيات الاتصال والميلتيميديا حيث أصبح تسجيال الصوت والصورة والفيديو أسهل من إشعال عود ثقاب..! ، فلِم لا نقوم بتصوير بعض حصص دروسنا بالفيديو ونشرها عبر شبكة النت!!؟
أقدم لكم إذن هذا الفيديو الذي رفعته على يوتيوب، وتجدون فيه تسجيلا كاملا لدرس تطبيقي كنت قد أنجزته يوم 9 مارس 2011 الفارط بثانوة الفارابي أحد كورت، وحضره المشرف التربوي وحوالي 15 من السادة الأساتذة
موضوع الحصة: إشكالية الحقيقة والرأي (مساءلة تبخيس الرأي)
الدرس مقسم إلى اربعة أجزاء darss01 darss02.. إلخ
وكالعادة، مرحبا بأية ملاحظات أو تعليق. ذلك أن الدرس لايغو ملكا لصاحبه بمجرد ما ينجزه.

الجزء الأول من الدرس:

الجزء الثاني من الدرس:

الجزء الثالث من الدرس:

الجزء الرابع من الدرس:

Facebooktwitterredditmailby feather

احراق طار ق ابن زياد للسفن وحراكَة اليوم في قوارب الموت

احراق طار ق ابن زياد للسفن وحراكَة اليوم في قوارب الموت: التاريخ يعيد نفسه!؟

وضعية مشكلةوضعية مشكلة: ما العلاقة بين إحراق طارق بن زياد للسفن عند عبوره إلى إلاندلس، وحراكَة اليوم محاولين العبور إلى اسبانيا في قوارب الموت !؟؟
إليك هذا الحوار الطريف بين جد وحفيده حول تاريخ المسلمين وعلاقتهم بالغرب، والذي يمكن من خلاله أن يكتشف التلميذ بشكل بسيط، ويطرح بنفسه إشكاليات المحاور الثلاث: المعرفة التاريخية، التاريخ وفكرة التقدم، ودور الإنسان في التاريخ
 طارق والقوارب وإسبانيا
ذاك هو الشاطئ الإسباني هذا هو القارب ..!مرة ركبه المغربي طارق بن زياد واليوم يركبه المغربي المهاجر السري.لكن لماذا تمر علاقة المغربي، ماضيا وحاضرا، بذلك الشاطئ عبر عملية الحريكَ (أي الإحراق)!!؟
اانتبه م1- عوامل فشل الوضعية المشكلة: الحل المتسرع للمشكل
حيث أن الهدف من الوضعية المشكلة هو "وضع" التلميذ في "مشكلة"، فما أشبهها هنا بقنبلة ينتظر ان تحدث زوبعة ذهنية تخرج المتعلمين من لامبالاتهم وطمأنينتهم وإحساسهم بوضوح العالم و خلوه من أي جديد أو ألغاز محيرة!! باستثناء جديد التكنلوجيا وألغازها طبعا: جوال، MP4 ، دراجات نارية… والتي تبهرهم وتدهشهم وتخرجهم بالفعل من لامبالاتهم!
ولم يكن اختيار مجاز القنبلة عبثا! فانفجار القنبلة حدث يثير الاهتمام لدرجة الفزع، كما أنه يرغم المرء على "التصرف" و فعل شيء ما! وبالمثل يتعين على الوضعية-المشكلة أن تكون مثيرة فعلا للاهتمام والانتباه أولا ومحفزة على التفكير ثانيا،
ينتج عن ذلك أن المدرس مطالب -قبل بدء الحصة- بانتقاء وضعية مشكلة مثيرة للاهتمام حقا، تنطلق من معيش التلميذ وتمسه بشكل مباشر وتخاطب انشغالاته التي حتى لو حكمنا عليها بالتفاهة وأصررنا على انتشاله من شرنقتها، فلابد من مخاطبتها أولا لأنها مدخلنا الضروري إلى وجدان المتعلم المتعلم ومن ثم عقله، بحيث لا نترك له فرصة لعدم المبالاة، وهنا يتعين التمييز بين "الانشغالات العالِمة" و"انشغلات المعيش" وهكذا فالسؤال: هل توجد علاقة ثابتة بين كتلة الجسم وحجمه (الكتلة الحجمية)؟ هو انشغال عالم، انشغال ارخميدس فقط، في حين أن السؤال: كيف نعرف أن تاج الملك مصنوع من ذهب خالص هو "إنشغال معيش" أي انشغالل الملك صاحب التاج. لكن هذا لا ينفي أن هذا يقود إلى ذاك. وسنقول في هذه الحالة إن معرفة ما إذا كان تاج الملك من ذهب خالص أم مزيف هو الوضعية المشكلة؛
هذا عن دور المدرس وهو يعد الحصة وينتقي الوضعية، أما عن دوره أثناء الحصة، فيتمثل بالدرجة الأولى في الحفاظ على على أعلى درجات التوتر أثناء مسار الوضعية المشكلة
لذا أرجو ان يتجنب المدرس ما أمكن -في ما يخص الوضعية الحالية-أن تصل جماعة القسم إلى خلاصات من قبيل: "هناك تقدم في التاريخ" أو "إنها قرصنة أو جهاد بحري" أو "الرجال/الأبطال يصنعون الظروف او الظروف تصنع الرجال/الأبطال"… وإلا سنكون قد أبطلنا مفعول القنبلة بأيدينا ونقضنا غزلنا !! لأنه إن حصل ذلك، فقد تحولت الوضعية المشكلة إلى وضعية مريحة، او تحولت إلى لحظة من لحظات البناء الإشكالي حيث يتم تقديم موقف فلسفي من خلال نص كإجابة ممكنة على السؤال المفترض (طبعا، قبل مناقشته ومساءلته لاحقا للانفتاح على غيره)

2- عوامل نجاح الوضعية المشكلة:
أ-تأزيم كل جواب ممكن

لكي تكون الوضعية المشكلة وضعية-مشكلة بالفعل، على المدرس أن يحاول بكل الوسائل الممكنة البرهنة على استحالة الجواب أو تأجيله على الأقل ! ألم يقل برغسون: إن الفلسفة هي فن طرح السؤال وتأجيل الجواب باستمرار، ولا يفعل المدرس في هذه الحالة غير لعب دور سقراط: إثبات التناقضات أو الإحراجات الممكنة التي تنجم عن قبولنا بجواب المحاور !!
ينبغي أن نمنع بكل وسيلة ممكنة اللقاء الذي يحاول التلاميذ جاهدين إقامته بين السؤال وجواب ما، للتخلص من حالة التوتر التي احدتثها الوضعية المشكلة، للعودة على حالة التوازن والطمأنينة الأولى

لأجل ذلك، على المدرس أن يكون مستعدا لتأزيم أي جواب قد يقترحه التلميذ !؟ وهذا يتطلب يقظة ذهنية وحضور بديهة تستنزف الطاقة الفكرية للمدرس والتلاميذ على السواء

ب-وضوح الإشكال في ذهن المدرس
بيد أن تأدية الوضعية المشكلة لوظيفتها البيداغوجية والمتمثلة في انبثاق السؤال بشكل تلقائي وطبيعي وغير مصطنع يتوقف على مدى وضوح الإشكالات أصلا في ذهن المدرس، أقصد الإشكالات التي يفترض أن تمضي نحوها الوضعية-المشكلة، لأننا نخوض غمار حصة الوضعية المشكلة ونحن على علم مسبق بما نود طرحه والتساؤل عنه دون أن ينفي ذلك إمكانية توصل الجماعة المفكرة/جماعة القسم إلى استنتاجات وأسئلة لم تكن متوقعة، ويمكن استدماجها في الصياغة النهائية للإشكال حسب درجة ملاءمتها!
وقد يعترص علي بالقول: بأن هذه لعبة مصطنعة مادمت تعرف مسبقا إلى أين تود قيادة تلامذتك !!
وأجيب نعم، ولا إمكانية لخلاف ذلك !! لايمكن للمرء أن يحسن "قيادة العقل" مالم يعرف إلام يقود عقله! وليس ذلك بقادح في وظيفة الوضعية المشكلة، خصوصا وأن الإشكال المصاغ في النهاية لايتجسد بالضرورة في نفس العبارات والأسئلة والتراكيب في كل الأقسام التي نقوم بتدريسها، بل يتلون بشيء من المسار الخاص الذي عرفه النقاش مع كل قسم على حدة. و.. من الممكن أن تكتسب أسئلتنا التي نحمل في أذهاننا مسبقا خصوبة إشكالية غير متوقعة من قسم لآخر او من سنة لأخرى، لكن لا أحد يستطيع الادعاء بالخروج عن الإطار الإشكالي العام الذي يرسمه المنهاج أو المؤسسة

نص الحوار:

الجد: ألا تكف عن مشاهدة هذه الأفلام الوثائقية يا بني !
الحفيد: إنها مهمة جدا يا جدي ! إن هذا البرنامج مثلا يتحدث عن نشأة الكون والانفجار العظيم، وكيف كان الكون عبارة عن غاز وكيف كانت الأرض في البداية مجرد كرة ملتهبة…
الجد: ولكن كل ذلك …
الحفيد(مقاطعا): نعم، نعم ستقول إن كل ذلك موجود في الكتاب والسنة
الجد: بل وأكثر من ذلك، فهذه العلوم إنما أخدوها عن المسلمين الذين كانوا سباقين إلى دراستها في أيام مجدهم الغابر
الحفيد: الذين اخدوها عن اليونان، الذين أخدوها عن البابليين والآشوريين والفراعنة.. المهم أن كل من يأخد عن سابقه يطور ما وصل إليه ويزيد فيه
الجد: يطور؟! أي تطور هذا!؟ إنهم يسيرون نحو الهاوية
الحفيد (مبتسما) نعم ! أعرف يا جدي : الزنا، التبرج، التفكك الأسري… ولكن اعترف ولو مرة واحدة أن الإنسانية بوجه عام قد تقدمت حتى من الناحية الأخلاقية. خد مثلا إلغاء الرق، تحسين الوضع القانوني للمرأة، ثم من الناحية المادية: القضاء على بعض الأوبئة، اكتشاف لقاحات الأطفال، الحد من خطر المجاعات والكوارث الطبيعية
الجد: هذا كله صحيح، ولكنهم فرطوا في دينهم ، وقد تبعناهم في ذلك مقلدين، بحيث لو دخلوا جحر ضب لدخلناه وراءهم !! ألا ترى معي يا بني أن أفضل القرون هو قرن الرسول (ص) والصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ولن نفلح إلا بالاقتداء بهم والرجوع إليهم، أنظر إلى التاريخ تجد الأمة تتهاوى فيظهر مصلح مجدد يحيي السنة ويرفع شأن الأمة ، ثم ما تلبث أن يدب فيها التخاذل
الحفيد: نعم يا جدي ! ولكن أنت دائما تنظر إلى أحداث الماضي من زاوية خاصة فقد عرف أجدادنا أيضا الفتنة الكبرى وقتل علي وبنوه، ودخل المغول بغداد، ونصب محمد علي للمماليك مذبحة القلعة الشهيرة… ثم ألا ترى معي أن هناك تقدما أخلاقيا ودينيا رغم كل ذلك: ازدادت اعمال الخير والتبرعات، و عدد المساجد وكثرت نسخ المصحف الشريف،وكثر حفظة القرآن ودارسوه مع أن جدتي مثلا كانت بالكاد تحفظ سورتين صغيريتين من القرآن بشق الأنفس… أما عن حب المال والجشع والأنانية، فهذه سنة الله في أرضه
الجد: كلا يابني ! كان أجدادنا أقل إقبالا على الدنيا وأكثر اهتماما بالآخرة، لذلك أقبلت عليهم الدنيا وفتحت لهم مشارق الأرض ومغاربها. خد مثلا فتح الأندلس، أنظر إلى شجاعة طارق بن زياد الذي أحرق السفن حتى لايفكر جنوده في التراجع أو التخاذل!!
الحفيد: لقد تغير العالم ياجدي! لم يعد ممكنا الانتصار عليهم بحرق السفن.
الجد: نعم لأن الرجال لم يعودوا هم الرجال! لم أقل اننا سننتصر عليهم بحرق السفن ولكننا نحتاج رجالا من طراز أولئك الذين أحرقوا السفن..
الحفيد: لا أتفق معك إلا جزئيا، لأن المسألة ليست مسألة رجال، بل ظروف تتجاوز الرجال! عندما اكتشف الأوروبيون طريق رأس الرجاء الصالح استغنوا من وساطة المسلمين، وعندما اكتشفوا أمريكا تضاعفت ثرواتهم، وعندما بدأت نهضتهم اخترعوا المدفع والبارود… هل يمكن للرجال إن وجدوا أن يتحدوا كل هذه المعطيات التي ساهمت في إضعافنا وفي تقويتهم، وينتصروا على أوروبا؟
الجد: لعلك تريد القول أن الظروف لم تعد مواتية لنصرنا، بيد أن الرجال هم الذين يصنعون الظروف المواتية ويكسرون شوكة الظروف المعاندة..
الحفيد: أرى أننا سنعود مرة أخرى إلى نقاشنا الشهير، لن أجادلك أكثر (مبتسما)… بالنسبة لقصة حرق السفن، هل هناك دليل مادي على حرقه لجميع السفن؟ هل تم إنجاز تنقيب أثري في عرض البحر حيث المكان المفترض لهذه الحادثة؟ رأيت مثلا منذ أيام وفي أحد هذه البرامج الوثائقة التي لا أكف عن مشاهدتها (مبتسما) أنهم عثروا مؤخرا قبالة الساحل الإنجليزي على بقايا سفينة مغربية تعود إلى عدة قرون خلت ووجدوا أغراض البحارة وأسلحتهم بما في ذلك نقودا تحمل نقوشا عربية إسلامية، واستغرب المؤرخون كيف أن القراصنة الموريسكيين وصلوا حتى هذه النقطة!!
الجد: أولا لم تكن قرصنة، بل جهادا بحريا؛ وبالعودة إلى قصة طارق بن زياد فلا يمكن أن يتطرق إليها الشك، فقد تناقلها الرواة والمؤرخون ولا يمكن أن يجتمعوا على الكذب، ولو لم تحدث القصة أصلا ماذكروها
الحفيد: صدقت، ولعل أعمال الحفريات والتنقيب تكشف عنها يوما ما . ولكن (مازحا) ألا تلاحظ يا جدي أن حفدة طارق بن زياد لا زالوا يقتدون به في تعاملهم مع الشاطئ الإسباني؟!هم أيضا "يحْركَون" أي يحرقون، ولكن ماذا يحرقون؟!
الجد: آه منك أيها الشقي !!!
:icon_biggrin:

بعض امكانيات استثمار الحوار في أفق طرح إشكالات مفهوم التاريخ (كما يحددها المنهاج):

دفع التلميذ إلى أن يكون طرفا في الحوار بين الجد وحفيده، وذلك في مرحلتين:
أولا- استخراج وتحديد القضايا الخلافية بين الجد وحفيده مثل:
1- هل أبدع الأوروبيون في نهضتهم ام نقلوا واستغلوا ما وصلت إليه الحضارة الإسلامية ماضيا؟
2- ماهو المسار الذي تمضي نحوه الحضارة العاصرة (الحضارة الغربية)؟ مسار تقدم ام انحطاط؟
3-هل الأفضل هو لحظة نمضي نحوها أم لحظة مضينا منها وعلينا استعادتها؟ هل الأفضل أمامنا أم وراءنا؟
4- هل تخلفنا يعود إلى ظروف موضوعية أم إلى غياب "الرجال" أي ضعف الإيمان والعزيمة؟
5-كيف نتحقق من بعض الوقائع في تاريخنا؟ كيف نعرف ان القصة الفلانية أو الحدث الفلاني قد وقع فعلا وبالشكل الذي يروى به اليوم؟
6-كيف نقوم بتوصيف المعارك الحربية التي شهدها الماضي بين سفن المسلمين والسفن الأوروبية؟ هل يتعلق الأمر بقرصنة أم بجهاد بحري؟
7-هل يمكن القول أن التاريخ يعيد نفسه من خلال المماثلة بين إحراق طارق بن زياد للسفن وحراكَة اليوم في قوارب الموت؟

ثانيا-مناقشة هذه القضايا الخلافية، وإبداء الرأي فيها، ومن الممكن تكوين مجموعتين من التلاميذ تضم كل مجموعة من اختار هذا لجواب او ذاك، وتحاول كل مجموعة بسط حججها ودلائلها…
ويمكن للمدرس في نهاية هذه المناقشات أو أثناءها أن يساعد التلاميذ على اكتشاف أن السؤالين 2و 3 تتعلق بمنطق السيرورة التاريخية، في أي اتجاه تمضي هذه السيرورة (محور: التاريخ وفكرة التقدم)
وأن السؤال رقم 4 ينفتح بنا على إشكالية دور الإنسان والذات في صناعة الأحداث التاريخية ومن م صناعةالتاريخ وتوجيه دفته،وهو إشكال قريب إلى حد ما من إشكال المحور الأخير في درس الشخص: الشخص بين الضرورة والحرية، والفرق الوحيد هو ان الشخص أصبح تحديدا الفاعل التاريخي (محور: دور الإنسان في التاريخ)
وأن السؤالين 5 و 6 يتعلقان بمشكلة المعرفة التاريخية؟ وشروط علمية هذه المعرفة: الدقة، الواقعية، الموضوعية، أساليب التحقق من حدث ولى وانقضى… (إمحور: شكالية المعررفة التاريخية)

Facebooktwitterredditmailby feather

الشك الفلسفي في مواجهة الأشباح

من رسائل اسبينوزا الفلسفية (حول موضوع الأرواح والأشباح)

تقديم حول الرسائل وتوظيفها الديداكتيكي

من المفروض أن يكون درس الفلسفة – وهو أول درس مقرر للسنة الأولى بكالوريا (أنظر الكتاب المدرسي للسنة الأولى ،الطبعة الأولى 1995) – فرصة يلتقي فيها التلميذ لأول مرة بهذه المادة الدراسية الجديدية التي يملك عنها مسبقا عددا لابأس به من التصورات والتمثلات.
في ظل هذه الشروط يكون اللقاء الأول حاسما في رسم العلاقة المعرفية والوجدانية التي ستربط المتعلم بهذه المادة الدراسية مستقبلا.
لكن الملاحظ أن هذا الدرس – وعوض ان يكون فرصة لممارسة التفكير الفلسفي والإستئناس به وإكتشاف خصائصه على نحو إستقرائي ينتقل من الخاص والمحسوس إلى العام والمجرد، فإن المادة المعرفية وكذا النصوص التي يحفل بها الكتابب المدرسي تراهن على إختيار ديداكتيكي مغاير: فعوض الدخول في الفلسفة حسب عبارة هيدغر يتم الإكتفاء بالوقوف على عتباته، وعوض التعرف على التفكير الفلسفي وهو يشتغل En acte ، يتم الإكتفاء بخطاب ميتافلسفي لايفهمه الأستاذ إلا لأنه على إضطلاع على المتن الفلسفي الأول الذي تحاول هذه النصوص وصفه و وإبراز آليات إشتغاله…
ومن الملاحظات الصفية ذات الدلالة أن بعض التلاميذ يستعلجون أحيانا نهاية درس الفلسفة للشروع في درس الطبيعة حيث تتاح لهم للمرة الأولى ان يمارسوا او يتابعوا الأستاذ وهو يحوض بهم مغامرة التفكير الفلسفي في موضوع محدد وهو مفهوم الطبيعة عامة والطبيعة الإنسانية خاصة.
وبعبارة أخرى، هناك حضور قوي للمنهج الإستنباطي على حساب المنهج الاستقرائي: حيث نلقن التلميذ خصائص ومميزات الخطاب الفلسفي، قبل أن يتعرف على هذا الخطاب ذاته، يقرأ الميتا-فلسفة قبل الفلسفة. كأننا نعلمه قواعد لغة ما قبل أن يسمع أية جملة في هذه اللغة! ، في حين أن نظريات “بناء المعرفة” تلح على ضرورة مد المتعلم بالمعطيات والمواد و تكليفه بمهمة بنينة هذه المعطيات أو بناء قواعد إشتغالها وانتظامها ..
تقدم لنا رسائل اسبينوزا حول الأشباح والأرواح متنا فلسفيا تعليميا فريدا من نوعه من حيث أنه يقدم للمتعلم مادة التفكير الفلسفي تاركا له مهمة استخراج “صورتها” أي آليات اشتغال هذا الخطاب
تبادل اسبينوزا هذه الرسائل مع صديقه “بوكسيل” الطالب في كلية الحقوق، وقد جاءت المبادرة من هذا الأخير عندما بعث لفيلسوف أمستردام رسالة قصيرة يستفسر أو “يستفتي” حول صحة وجود الأشباح والأرواح
فيم إذن تساعد رسائل إسبينوزا الفلسفية على تجاوز هذه المعضلة؟
يتميز هذا المتن الفلسفي الفريد بالخصائص التالية:

  • — الأهمية الوجدانية للموضوع، فإذا كانت الفلسفة رغبة في المعرفة فإن هذا الموضوع الغامض والغريب insolite يوفظ هذه الرغبة ويذكيها. مستدعيا من التلميذ استثمارا وجدانيا يذكي الرغبة في التعلم.
  • — أن هذه الرسائل وعلى خلاف النص – المجتزأ بالضرورة من سياقه وهو النص الأكبر أي الكتاب – تقدم متنا مكتملا لانحتاج أبدا إلى معرفة مسبقة بسياقه.
  • — أن اسبينوزا يقدم مثالا حيا للفكر الفلسفي وهو يشتغل بدءاً من تلقي القضية مرورا بأشكلتها وصياغتها ضمن لغة ومفاهيم فلسفية، وانتهاءا بمعالجتها وفحص مختلف جوانبها وأبعادها
  • — أن هذه الرسائل تقدم بشكل ملموس مختلف حصائص التفكير الفلسفي: البناء المفاهيمي والإشتغال على اللغة من أجل التحديد الدقيق لدلالات الألفاظ والحدود دفعا لكل لبس، أشكلة القضية على نحو يقصي المعالجات السطحية المباشرة ويظهر عدم كفايتها، توظيف مختلف أشكال المحاجة والجدل بما فيها : البرهان بالخلف، الإستدلال بالمماثلة ، التهكم والسؤال الإحراجي، النقد سوا تعلق الأمر بنقد الحجاج بالسلطة أو نقد المصادر والروايات التي يسوقها مخاوره لإثبات دعواه…

تتبع خصائص التفكيير الفلسفي في الرسائل

ملاحظات متن الرسائل التمفصلات الكبرى
(1)صياغة أولية للقضية أو الإشكال: حيث يتوجه بوكسيل بأسئلته إلى الفيلسوف حول طبيعة الأرواح وخصائصها
(2) لكنه ينتبه في الأخير إلى أن اسبينوزا سينكر وجودها أصلا- حجج بوكسيل في هذه المرحلة:
(أ) السلطة المعرفية لعلماء اللاهوت والفلاسفة؛
(ب) عدد هائل من الوقائع والقصص التي يستحيل الشك فيها
من بوكسيل إلى اسبينوزا14 شتنبر 1674

سيدي المحترم،
إليك السبب الذي دفعني لمراسلتك: فقد أحببت أن أستطلع رأيك في موضوع الأشباح والأرواح، وإذا صح وجودها فكم يدوم ظهورها؟ ومارأيك في قول البعض بخلودها وقول آخرين بفنائها(1). مما جعلني في حيرة من أمري. لكن، من الأكيد ان القدماء قد اعتقدوا بوجودها، كما أن علماء الدين والفلاسفة المحدثين (أ)يعتقدون بوجود كائنات من هذا القبيل رغم اختلافهم حول ماهيتها وطبيعتها. فالبعض يرى أنها مخلوقة من مادة لطيفة شفافة، بينما يصرح آخرون أنها أرواح خالصة بدون أجسام أو مادة.
وإني لأتوقع مسبقا أنك ستخالفني الرأي في وجود الأشباح والأرواح(2) رغم هذا العدد الهائل من القصص والوقائع التي خلفها لنا القدماء والتي يستحيل الشك فيها أو إنكارها (ب). وحتى لو أقررت بوجود الأشباح والأرواح، فلاأخالك توافق أنصار العقيدة الكاثوليكية في كونها أرواح الموتى عادت تجول بيننا.
أكتفي بهذا القدر، ولاداعي أن أثقل عليك بأنباء الحرب والأخبار السيئة الأخرى المتداولة بين الناس في الآونة الأخيرة.

طرح القضية موضوع المراسلة، والتي ستغدو موضوع جدل لاحقا.
(3) شمولية الخطاب الفلسفي: ما من موضوع، شيئا ماديا كان أو فكرة، حقيقة أو وهما إلا ويتناوله التفكير الفلسفي.
(4) إعادة صياغة القضية أو الإشكال بطرقة استفهامية تذكرنا بالجهل المنهجي على شاكلة الجهل السقراطي!
(5) معرفة الشيء تقتضي تحديد ماهيته .والحواس أحد مصادر هذه المعرفة
(6)الفلسفة تحليل لأنماط التفكير والخطابات السائدة: هنا تحليل نمط التفكير المتبع لإثبات وجود الأشباح: قصة —> معطيات غامضة—> استنتاج وجود شيء ما —> اطلاق إسم الأشباح عليه!
(7) التهكم الذي يذكرنا بالتهكم السقراطي
(8) تحليل ” نفسي” لوجود الأشباح: إنها الرغبة في الشهرة والرغبة في تشكيل الأحداث وفق أهوائنا.
(9) التعامل النقدي مع مصادر المعرفة: و يتجلى هنا بوضوح كيف ينظر  الفكر الفلسفي فيما وراء الوقائع  والظواهر باحثا عن عللها الخفية
من إسبينوزا إلى بوكسيل:

لقد سرتني كثيرا رسالتك الأخيرة، فإضافة إلى كونها طمأنتني على أحوالك، فقد أثبتت انك لم تنس صديقك بعد.
من المؤكد ان كثيرا من الناس سيتشاءمون ويتطيرون، إذا علموا أن  الأشباح والأرواح هي موضوع مراسلتك لي، لكن الموضوع عندي لايخلو من أهمية، إذ لاتفيدني معرفة الحقيقة وحدها، بل أستفيد من معرفة ودراسة الأوهام والخيالات أيضا (3).
لندع جانبا البحث في ما إذا كانت الأشباح مجرد أوهام وخيالات، لأن إنكار وجودها أو حتى مجرد الشك فيه أمر مهول غير مقبول في نظرك ونظر كل أولئك الذين اقتنعوا تماما بقصص القدماء والمحدثين ورواياتهم.
صحيح إن التقدير والإحترام الكبيرين اللذين أكنهما لك يمنعاني من مناقضتك، لكنهما أيضا لايسمحان لي بمجاملتك. ولذلك فمن بين كل قصص الأشباح والأرواح التي قرأتها، أود أن تختار لي واحدة يستحيل الشك فيها، يتبين منها بجلاء وجود الأشباح والأرواح. فعلى حد علمي، لم أقرأ لأي كاتب جدير بالثقة مايثبت وجودها. ولاأعرف لحد الآن بالضبط ماعسى أن تكون هذه الأشباح (4)؟ ولم أجد أحدا قادرا على إخباري بحقيقة أمرها. من المؤكد أن ماثبت بالتجربة والحواس لابد من معرفة ماهيته (5)، وإلا فمن الصعب أن نستنتج من قصة ما وجود الأشباح. صحيح انهم يستنتجون وجود شيء ما (6). لكن من ذا لي يخبرني بماهية هذا الشيء؟ إذا أحب الفلاسفة ان يسموا مانجهله اشباحا فلا مانع عندي، فهناك مالايحصى من الأمور التي أجهلها.
وأخيرا، سيدي، أود لو أنك تشرح لي جيدا ماهية هذه الأشباح أو الأرواح:هل هي أرواح الحمقى أم الأطفال أم السذج ؟ (7) فما سمعته لحد الآن مما تتناقله الأفواه لايصدر إلا عن ناقصي العقل او معتوهين لاعن الذين يتمتعون بالحس السليم. إنها أشبه ماتكون بالسخافات وطرائف الحمقى.
وقبل الختام أدعوك إلى ملاحظة مايلي: إن الرغبة (8) هي التي تدفع الناس إلى رواية الأحداث لاكما تقع بالفعل بل كما يرغبون في أن تقع. تحذوهم رغبة خفية في أن يذيع صيتهم بين الناس من خلال قصص الأشباح والأرواح بطريقة أسهل من رواية الأمور الجادة.
لكن ماسبب ذلك ياترى؟
ليس على هذه القصص من شهود غير رواتها (9) الذين ابتكروها. فما أسهل أن يضيفوا أو يحذفوا مايروقهم دون خشية معترض أو مكذب: هكذا يخترع بعضهم قصصا ليبرر ماحصل له من فزع في أحلامه، بينما يختلق آخر مايثبت جرأته وسلطته أو رأيه بين الناس.
وبالإضافة إلى هذه الأسباب، فقد وجدت مبررات أخرى تدفعي إلى الشك في مثل هذه القصص أو على الأقل في تفاصيل وظروف حدوثها.
أكتفي بهذا القدر إلى حين أن تذكر بعض هذه القصص التي أقنعتك بإستحالة الشك قي وجود الأشباح والأرواح.

معالجة أولية للموصوع حيث تظهر بجلاء خصائص التفكير الفلسفي ومتطلباته
(10) يعتقد بوكسيل أن إنكار الفيلسوف لوجود الأشباح ليس سوى عبارة عن حكم مسبق صادر عن الشك القبلي لدى الفلاسفة.
(11) هذه المرة، يطور بوكسيل حججه :
(أ) استدلال قائم على فكرة الكمال والجمال؛
(ب) استدلال احتمالي؛
(ج) استدلال استلزام منطقي؛
(د) استدلال يستثمر معطيات فيزيائية
(12) يعود بوكسيل إلى حجاجه المفصل: القصص وشهادات المؤلفين ذائعي الصيت.
(13) تعبير بوكسيل عن شيء من الحس النقدي في تعامله مع الروايات
من بوكسيل إلى اسبينوزا:21 شتنبر 1674


لم أكن أتوقع من صديق صريح مثلك جوابا آخر غير الذي تلقيت منك. فإختلاف الرأي لايفسد للود قضية. لقد سألتني قبل أن الإفصاح عن رأيك أن أخبرك عن حقيقة هذه الأشباح. هل هي أرواح أطفال أم أرواح سذج أو مجانين؟ وأضفت أن كل ماسمعته لحد الآن لايصدر عن ذوي الحس السليم وإنما عن المعتوهين والمخبولين.
لكن تمهل .ولاتنس الحكمة القائلة بأن الأحكام المسبقة (10) تحول دون بلوغ الحقيقة. والآن، إليك الأسباب (11)التي تدعوني إلى الإعتقاد في وجود الأشباح والأرواح:

  • – أولا، وجودها ضروري لجمال الكون وكماله؛ (أ)
  • – ثانيا، لايبعد أن يكون الخالق قد أوجد مثل هذه الكائنات الروحانية، فهي أقرب إلى طبيعته من الكائنات المادية ذوات الأجسام؛ (ب)
  • – ثالثا، وكما توجد أجسام بدون أرواح، فلا يبعد أن توجد أرواح من غير أجسام؛ (ج)
  • – وأخيرا، فلاشك أن الفضاءات الشاسعة الفاصلة بيننا وبين النجوم ليست فارغة بل مأهولة ومسكونة.ومن المحتمل أن تكون الفضاءات الأعلى مسكونة بالأرواح الخالصة بينما تمتلئ الفضاءات الأدنى بكائنات من مادة لطيفة دقيقة وغير مرئية. (د)


أستنتج من ذلك وجود أشباح وأرواح من كل نوع وصنف، ربما، باستثناء الجنس المؤنث. قد لاتقنع هذه الحجج أولئك الذين يعتبرون الكون موجودا بالصدفة. فلندعها جانبا. وللنظر إلى تجربتنا اليومية، ألا تدلنا على وجود الأشباح والأرواح؟ ألا تسمع من حولك قصصا كثيرة قديمة وحديثة بشأنها؟ (12)
أنظر مثلا في كتاب بلوتاركPlutarque ستجد في كتابه ” مشاهير الرجال” كما في كتبه الأخرى قصصا كثيرة عنها. وفي كتاب “حياة القياصرة” لـــ سيتيونSétuone وفي كتاب “الأشباح” لـــفييرWeir و لافاطارLavatar . أما كادرانCadran المعروف بغزارة علمه فقد ذكر الأشباح والأرواح في بعض كتبه، وأثبت من خلال بعض التجارب أنها تراءت له ولوالديه وأصدقائه. وقد شهد ميلانكتون Melanchton المعروف بمحبته للحكمة والحقيقة وآخرون كثيرون بنفس الشيء.
وقد قص علي أحد القناصل المعروف بعلمه واتزانه أنه سمع ذات ليلة في مختبر أمه صوت عمليات تحضيرالنبيذ بنفس الطريقة التي ينجز بها نهارا حين وضعه فوق النار، وقد تكرر الحادث غير ما مرة.
هذه إذن هي الحجج التي تدعوني إلى الإعتقاد بوجود الأشباح والأرواح كما ذكرت لك. أما فيما يخص الأرواح الشريرة التي تطارد البائسين في الحياة الدنيا أو الآخرة، فإنها تخص السحرة وأعدها مجرد خرافات. إضافة إلى ذلك ستجد قصصا وحالات أخرى كثيرة في رسالة بلين الصغير إلى سورا sura ،و سيتيونSuéton في كتابه “حياة يوليوس قيصر” و فالير ماكسيم في الكتاب الأول وخصوصا الفصل الثامن؛ ثم أليساندرو أليساندري في مؤلفه “أيام الأعياد”. وكلها كتب توجد في حوزتك على ماأعتقد.
إني لاأتحدث هنا عما يرويه الرهبان والقساوسة (13) بخصوص الأرواح الشريرة أو لنقل أساطير الأشباح الكثيرة المملة كما نجد في كتاب “رؤى الأرواح” لصاحبه اليسوعي ثيووسThyaus فهؤلاء لايهدفون سوى إلى إثبات وجود المطهر Purgatoire  [ ليسنى لهم بيع صكوك الغفران]، ذلك المنجم الذي يدر عليهم ذهبا وفضة كثيرة. في حين أن المؤلفين الذين أتيت على ذكرتهم بعيدون ومنزهون عن هذه الأغراض الدنيئة ومن فهم يستحقون الثقة والإحترام.
لن أرد على كلامك المتعلق بالحمقى والسذج، بل سأكتفي بهذه الخلاصة التي أنقلها عن لافاطار من كتابه حول الأشباح والأرواح: ” إن من يتجرأ على إنكاركل هذه الشهادات المتواترة للمتقدمين والمتأخرين غير جدير بالثقة . فإذا كان التصديق المتسرع لكل من يدعي رؤية الأرواح ضربا من الحماقة، فأن الإصرار والمجازفة بتكذيب كل الروايات الصادرة عن الكتاب الموثقين هو أيضا ضرب من التهور.”

يطور بوكسيل حجاجه لإكسابه مزيدا من القوة  والصرامة والتماسك
(14) التهكم الذي يهدف إلى إظهار تهافت معتقدات الخصم
(15) تحليل حجج الخصم أو بالأحرى تفكيكها بحثا عن أسسها وافتراضاتها الضمنية.
(16) الإشتغال على المفاهيم: هنا، تحليل مفهومي الكمال والجمال,
(17) أسماء لحيوانات ومخلوقات أسطورية موغلة في الغرابة.
(18) الجهل أو التجاهل المنهجي مرة أخرى !
(19) معيار الوضوح والتميز الذي نجده أيضاعند ديكارت: المعرفة الحقة هي تلك التي نملك حول موضوعاتها أفكارا يدركها العقل بوضوح وتميز.
(20) عكس حجة الخصم أو الدفع بها إلى نتائجها القصوى لإظهار عدم تماسكها او عدم صلاحيتها او استحالة تعميمها أو تناقض ما يترتب عنها.
(21) تعامل الفكر الفسفي مع الإعتقادات المتداولة بالكشف عن فرضياتها الضمنية ،
من إسبينوزا إلى بوكسيل:( لاهاي في شتنبر 1674)

لقد سرني قولك بأن إختلاف الرأي لايفسد للود قضية، وشجعني لأعبر لك بكل صراحة عن رأيي في الحجج والروايات الكثيرة التي سقتها لتستنتج منها وجود أنواع لاتحصى من الأشباح والأرواح بإستثناء الجنس المؤنث.
وإذا كنت قد تأخرت في الرد عليك، فلأن يدي لم تقع على الكتب التي أشرت إليها بإستثناء كتابي بلين و سيتيون، بيد أني مقتنع بأني غير محتاج إلى البقية، فهم جميعا يبالغون بنفس الطريقة و يتمادون في رواية القصص العجيبة التي تملأ الناس دهشة وإبهارا.
وأنني لاأتعجب من هذه القصص بقدر ماأتعجب لهؤلاء المؤلفين ذووي العقول الراجحة والذين يستغلون بل ويسيئون استعمال كل مواهبهم لإقناعنا بمثل هذه الترهات. لكن لندع المؤلفين جانبا ولننتقل إلى صلب الموضوع مبتدءا بالخلاصة التي انتهيت إليها في رسالتك الأخيرة.
حسنا: هل أنا الذي ينكر وجود الأشباح والأرواح هو العاجز عن فهم هؤلاء الكتاب أم أنت الذي تحمل شهاداتهم أكثر مما تطيق عندما تصر على إثبات وجود الأشباح والأرواح؟
إذا كنت لاتشك أبدا في وجود أشباح وأرواح من الجنس المذكر وتستبعد وجود أشباح وأرواح من الجنس المؤنث، فهذا شك أقرب إلى الهوى منه إلى الشك الحقيقي. وإذا صح أنه رأيك بالفعل، فهو لايختلف مثلا عن إعتقاد العامة والحس المشترك بأن جنس الله مذكر لامؤنث !. وإني لأستغرب كيف أن الذين يدعون رؤية الأشباح عارية – على مايبدو- لم يحسموا الأمر فينظروا إلى أعضائها الجنسية؟ أمنعهم الخوف أم الجهل؟ (14)
حسنا، لقد جنحت إلى الدعابة المزاح (14)، ليس لعجزي عن الإستدلال، ولكن لآن إستدلالاتك بدت لي أقرب إلى الظن والتخمين منها إلى الحجج البرهانية.
ومع ذلك، دعنا نفحص حججك(15):
تقول إن ” وجودها ضروري لجمال الكون وكماله” فاسمح لي أن أوجه عنايتك سيدي إلى أن الجمال ليس صفة للموضوع الملاحظ، بقدر ما هو انطباع نابع من الملاحظ: فلو أن حدة إبصارنا كانت أقوى أو أضعف، أو لو أن تكوين أجسامنا كان مختلفا، لبدا لنا مانحسبه الآن جميلا ذميما والعكس صحيح. وإن أجمل كف لتبدو في غاية البشاعة تحت المجهر. وبالمثل تبدو بعض الأشياء جميلة رائعة عن بعد، بشعة قبيحة عن قرب. وبالتالي فالأشياء في حد ذاتها أو بالنسبة للذات الإلاهية ليس لا بالجميلة ولا بالقبيحة.
أما أولئك الذين يعتقدون أن الله قد خلق الكون ليكون جميلا، فعليهم أن يفترضوا أحد أمرين: إما أن الله قد خلق الكون ليتوافق مع رغبات الإنسان وعيونه؛ أو أن رغبات الإنسان وعيونه قد خلقت لتتوافق والكون.وكيفما كان الحال، فإني لاأستطيع أن أتصور كيف يحقق خلق الأشباح والأرواح هذه الفرضية أو تلك؟
من جهة ثانية، فالكمال أو عدم الكمال لايختلفان كثيرا عن مفهومي الجمال والقبح، وتجنبا للإطالة، دعني أسألك سؤالا واحدا: ماذا يضيف إلى كمال الكون ورونقه خلق الأشباح؟ أو هذه المسوخ الكثيرة مثل القنطورس أو الهدرة أو البعنق أو الستير أو العنقاء (17) وآلاف الترهات الأخرى؟ صحيح أن الكون سيكون أكثر زخرفا لو رتب وفق نزوات أهوائنا وزين بكل هذه الكائنات التي يحلم بها ويتخيلها دون عناء كثير من الناس وما من أحد منهم يستطيع فهمها.
تقول في حجتك الثانية: ” مادامت الأرواح ثعكس الطبيعة الإلاهية أفضل من الكائنات الجسمية، فلا يستبعد أن يكون الله قد خلقها”
إني لحد الآن أجهل فيم تعكس الأرواح الطبيعة الإلاهية أفضل من الكائنات المادية؟ (18) وكل ماأعلمه هو أنه لاوجه للمقارنة بين المتناهي وااللامتناهي، بحيث أن الفرق بين الله وأعظم الكائنات وأضخمها كالفرق بينه وبين أضعفها وأصغرها. ثم لو أني كنت أملك فكرة واضحة  (19) عن الأشباح والأرواح كتلك التي أملكها عن الدائرة أو المثلث مثلا لما ترددت في موافقتك الرأي بأنها من مخلوقات الله. بيد أن ماأجده في فكري لايختلف عما تصوره لي مخيلتي حول الهدرة والبعنق والعنقاء…فهي إذن مجرد أوهام تختلف عن الله كما يختلف الوجود عن العدم.
أما حجتك الثالثة، فليست أقل سخفا من سابقتها: لقد قلت بأنه مادام ممكنا وجود أجسام بدون أرواح، كذلك لايبعد أن توجد أرواح بدون أجسام.
لكن، أجبني رجاءا  ألا يحتمل كذلك أن نعثر على سمع أو ذاكرة أو بصر إلخ… بدون جسم لآننا نجد أجساما دون ذاكرة أو سمع أو بصر إلخ…؟ أو نجد قرصا بدون دائرة نظرا لوجود دائرة بدون قرص؟
(20)
أما حجتك الخامسة والأخيرة فمادامت لا تختلف عن حجتك الأولى، فإني أحيلك إلى جوابي على هذه الأخيرة، وأعترف لك أني حقيقة أجهل هذه الفضاءات العليا والدنيا التي تتجدث عنها اللهم إلا إذا كنت تعتبر الأرض مركز الكون (21). ولو كانت الشمس أو المشتري هو المركز لكان أحدهما هو المكان الأدنى أو الأعلى لا الأرض.
أستنتج إذن أن هذه الحجج وأمثالها لن تقنع بوجود الأشباح والأرواح إلا أولئك الذين يولون ظهورهم للعقل ويستسلمون للخرافات. والخرافة أشد أعداء العقل السليم بحيث أنها تعلي من شأن العرافين والمشعوذين لتنتقص من قدر الفلاسفة. أما بخصوص القصص والروايات، فقد سبق أن ذكرت في رسالتي السالفة أني لاأنكرها جملة وتفصيلا، بل أنكر النتائج التي تستخلص منها؛ أضف إلى ذلك أني لاأعتبرها جديرة بالثقة إجمالا خصوصا وأني أشك في بعض التفاصيل التي يروق للبعض أن يضيفها إليها من باب الزخرف لاحرصا على الحقيقة.
وكم كنت أود لو أنك إخترت من بين كل القصص التي تعرفها واحدة او إثنتين يستحيل علي الشك فيهما ويقنعاني بكل وضوح بوجود الأشباح والأرواح. أما ماذكرت من أمر ذلك القنصل فإنه في الواقع يبعث على الضحك والإستهزاء.
أكتفي بهذا القدر، لأننا لن ننتهي أبدا إذا ما شئنا أن نفحص كل مايروى عن هذه الحماقات.

الخاصية النقدية والمفاهيمية في التفكير الفلسفي، مع أمثلة لآليات الدحض والتفنيد
(22) تمييز في غاية الأهمية يقيمه بوكسيل بين منطق اليقين ومنطق الإحتمال، بين البرهان والحجاج، بين الرياضيات وقضايا الإنسان والإلاهيات.
(23) الدفاع عن الخاصية الموضوعية لصفة الجمال.
(24) هل يمكن تطبيق معيار الوضوح في مجال الميتايزيقا وما وراء الطبيعة؟
(25) الحجاج بالسلطة مرة أخرى.
من بوكسيل إلى إسبينوزا:

سيدي المحترم،
لقد تأخرت في الرد عليك بسبب مرض طارئ ألم بي فحال بيني وبين الدراسة والتأمل.أما وقد شفيت تماما الآن بحمد الله، فسأسلك نفس نهجك، وسأغض الطرف عن تهكمك واستغرابك من كل من كتب حول الأشباح.
أما عن إنكاري  أن يوجد بين الأشباح والأرواح جنس مؤنث، فذلك لأني أنكر توالدها. أما أمر شكلها وتكوينها فأدعه جانبا إذ لايهمني كثيرا في هذا المقام.
لقد طلبت مني أن أثبت لك وجود الأرواح والأشباح بحجج برهانية، لكن مثل هذه الحجج البرهانية لاتوجد في غير الرياضيات (22)، لذلك نكتفي بإستدلالات تقريبية تصبح بفضل درجة احتمالها الكبيرة أقرب ماتكون إلى الحقيقة. ولو كانت استدلالاتنا برهانية، لما أنكرها غير الحمقى أو الجاحدون، لكننا ياصديقي العزيز غير محظوظين إلى هذه الدرجة. وفي غياب البرهان، لامفر من الإستدلالات التقريبية. وهذا مايتجلى واضحا في الجدالات والخلافات والآراء التي تملأ علوم الإنسان والإلاهيات. وللسبب ذاته ظهر مايعرف بالشكاك والسوفسطائيين الذين لم يتوانوا عن الشك في جميع الحقائق: كانوا يفحصون القضية والنقيض ليستخلصوا المحتمل، وكل يعتقد مايراه حقا.
أما فبما يخص الجمال، فهناك بالتأكيد أشياء إذا ماقورنت بأخرى بدت أجزاؤها أكثر تناسبا وتناسقا (23)، وقد جعل الله العقل الإنساني ميالا إلى المتناسب منسجا معه ومبتعدا عن اللامتناسب متنافرا معه. وهذا مايحصل أيضا عند سماع الأصوات والنوتات المتناغمة أو المتنافرة، فالأذن تستطيع بكل سهولة أن تميز الأولى لما تجلبه من لذة وارتياح عن الثانية لما تسببه من تضايق وانزعاج. وبالمثل فالكامل جميل أيضا من حيث أنه لا ينقصه شيء من أجزائه، والأمثلة كثيرة لاداعي للإفاضة فيها مخافة الإطالة.
وللنظر إلى العالم باعتباره كونا أو كلا، لاأعتقد أن وجود المخلوقات اللامادية ينتقص من جماله أو كماله. أما كلامك عن السنطور والعنقاء والهيدرة فلاعلاقة له بموضوعنا. لأننا نتحدث عن الأجناس والأصناف العامة للأشياء والتي تندرج تحتها أنواع كثيرة لاحصر لها كالأبدي والمؤقت، السبب والنتيجة،المتناهي واللامتناهي، الجامدو الكائن الحي، الجوهر والعرض والجسم والروح…إلخ
أقول إن للأرواح شبها بالذات الإلاهية لأن الله روح. أما سؤالك لي عما إذا كنت أملك فكرة أو تصورا واضحا عن الأرواح والأشباح، فهو أمر مستحيل، وأسألك بدوري: ماهي فكرتك عن الله وهل هذه الفكرة واضحة في ذهنك كفكرة المثلث؟ (24) بالطبع لا، لذلك لسنا محظوظين بحيث ندرك الأشياء بطريقة برهانية قاطعة. وفي هذه الحالة، لامفر من الإكتفاء بالأحكام الإحتمالية.
بيد أني أصر بالمقابل على إمكانية وجود ذاكرة…إلخ بدون جسم مادام ممكنا وجود أجسام بدون ذاكرة…إلخ وكما توجد دائرة بدون قرص، يوجد قرص بدون دائرة. وعلى كل فإن نقاشنا لايمس هذه الموضوعات لأننا مهتمون بالأجناس الكلية العامة لابالحالات الخاصة.
وأقول بأن الشمس مركز العالم وأن النجوم الثابثة أبعد عنا من المشتري الذي هو أبعد من زحل الذي هو أبعد من المريخ وهكذا بحيث تكون بعض الأشياء في هذا الهواء اللامتناهي أقرب إلينا من أخرى، فنعتبرها أعلى أو أدنى. إنما ينتقص من قيمة الفلسفة من ينكرون وجود الأرواح والأشباح لامن يقرون بوجودها، فالفلاسفة القدماء والمحدثون مقتنعون بوجودها. ذلك مانقرؤه عند بلوتاركPlutarque في كتابيه ” حياة الفلاسفة ” و “عبقرية سقراط” ، وذلك ماأجمع عليه أيضا الفيثاغوريون والرواقين والأفلاطونيون والمشائيون أتباع أرسطو وأمبيدوكل Empedocle … أما المحدثون فلا أحد منهم ينكر وجودها.(25)
ومن العبث أن ترفض شهادات كل هؤلاء الحكماء والفلاسفة والمؤرخين وتنعتهم بالسخف وقلة العقل كعامة الناس. وإذا تأملنا أجوبتك أنت بدورك، فلا نجد فيها مايقنع، بل إنها لاتمس صميم الموضوع ولاتتضمن أي إثبات.

الرد على الإعتراضات، والتمييز بين منطق الإحتمال ومنطق اليقين: الفلسفة كفكر حواري
(26) مبدأ الإحتمال والترجيح يسرى على شؤون الحياة العملية لا على تأملات الفكر التي تظل دائما خضعة لمقتضيات منطق اليقين .
(27) الفلسفة كبحث عن الحقيقة.
(28) التمييز بين الفكرة الواضحة والصورة والواضحة، الأولى للعقل والثانية للمخيلة.
(30) الحرص على  وضوح اللغة والمفاهيم المستعملة.
(31) رفض الحجاج بالسلطة حتى لو كانت سلطة المعلم الأول أو أستاذه!! إنه رفض لكل السلط غير سلطة العقل نفسه، الذي يتوجب استخدامه بشكل شخصي.
(32) الخلاف أو الجدال الفلسفي حول قضية جزئية خاصة هو في الواقع خلاف فلسفي حول مبادئ أعم مثل معيار الحقيقة أو مصدرها أو منهج بلوغها… فوراء الخلاف القائم هنا حول وجود أو عدمه، يمتد خلاف منهجي أعمق يطال معيار الحقيقة نفسه وقيمة الروايات والسلطة المعرفية للمؤلفين، وحدود العقل ومكر المخيلة…
من اسبينوزا إلى بوكسيل:( لاهاي 1674)

لقد بادرت مسرعا بالرد على رسالتك، لأني لو تأخرت لأجلت الأمر يوم بعد آخر وهكذا إلى أجل غير مسمى. ولاأخفيك إني انشغلت كثيرا على حالتك الصحية إلى أنه بلغني تماثلك للشفاء، فأتمنى أن تكون الآن على خير مايرام.
من الصعب جدا على شخصين يتبعان أسلوبين مختلفين في التفكير ومبادئ مختلفة أن يتفاهما بصدد موضوع حساس ومتشعب كالذي يشغلنا.
إن مجال الرسالة لايتسع لأعرض بتفصيل رأيي في الطبيعة الإلاهية أو لأجيبك على كل الأسئلة التي طرحتها كما أعترف لك أن التشكيك وإثارة الصعوبات لايعني تقديم الحجج.
صحيح أننا في شؤون الحياة نعتمد الإحتمال أكثر من البرهان (26) ، لكن من الخطأ الإعتقاد بأن تأملات الفكر لاتتعدى حدود الإحتمال بدورها، وذلك لأن الأمر يتعلق بالحقيقة لابأشباهها. وصحيح أن المرء قد يهلك إذا رفض تناول الطعام والشراب قبل الحصول على برهان قاطع يثبت فائدتهما. بيد أن الأمر مختلف فيما يتعلق بتأملات الفكر، حيث ينبغي الحرص على الحقيقة (27) لاعلى أشباه الحقيقة. فما إن نقبل بخطأ واحد يتسلل بين أفكارنا حتي تستبعه أخطاء أخرى كثيرة.
أما كون العلوم المتعلقة بالإنسان والإلاهيات حافلة بالجدالات والمنازعات، فلا يعني أن كل موضوعاتها عرضة للشك واللايقين. فلو اطلقنا العنان للشك، لكنا مثل هؤلاء المهووسين بالجدل والنقائض الذين لم يتوانوا عن الشك حتى في الحقائق الرياضية والهندسية مثل سكتوس أمبيريكوس وأصحابه الذين يبطلون كون الكل أكبر من الجزء. ويجادلون في سائر المبرهنات.
اقبل قولك بضرورة الإكتفاء بالبراهين الإحتمالية  عند تعذر البراهين القاطعة، بيد أني أشترط فيها أن تكون من الدقة بحيث يتعذر نقضها وإن كان الشك فيها يظل جائزا. لأن مايمكن نقضه يعد أقرب إلى الخطأ منه إلى الحقيقة: فلو أني أعلنت مثلا أن فلانا حي، لأني لمحته البارحة بصحة جيدة، فإني أعلن واقعة تبدو صحيحة مالم تتم مناقضتها. أما إذا تقدم من يِِؤكد أنه لمحه البارحة يقع من الوهن وأنه يعتقد بموته، فإنه بيطل كل أقوالي السالفة.
أما تخميناتك بخصوص وجود الأشباح والأرواح، فقد بينت بطلانها.بل إنها لاترقى حتى إلى مستوى الإحتمال. أما عن سؤالك : ” هل تملك فكرة واضحة عن المثلث؟” (28) فأجيب عنه بنعم.
لكن لو سألتني: هل تملك صورة واضحة عن الله كوضوح صورتك عن المثلث؟” فأجيبك بالنفي. إذ لايمكن تصور الله بالمخيلة، وإنما يدرك بالعقل فقط: أي لايمكن تخيله بل تعقله. ولابأس أن تلاحظ أني لاأعرف من الصفات الإلاهية إلا القليل، ولاأدعي معرفتها كلها ولا أغلبها. غير ان جهلي بأغلبها لايمنعني من الإحاطة ببعضها. ولذلك فحين بدأت دراسة كتاب “العناصر” لـــأقليدس ، علمت أن مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين، وأدركت هذه الخاصية بكل وضوح رغم جهلي بخصائصه الأخرى الكثيرة. بينما لاأعرف للأشباح والأرواح أية خاصية يمكن للعقل تصورها؛ باستثناء بعض الخيالات والأوهام التي يعجز الجميع عن فهمها.
إن من يسمعك تعلن أن الأشباح والأرواح التي تسكن السماوات الدنيا مركبة من مادة لطيفة شفافة، سيخالك تتحدث عن الهواء او نسيج العنكبوت أو البخار. ثم مالفرق بين القول بأن الأشباح والأرواح لامرئية وبين القول بانها غير موجودة؟ (30) اللهم إلا إذا كنت تقصد ان هذه الأشباح والأرواح تظهر للناس وتختفي حسب هواها، مما جعل مخيلة البشر عاجزة عن تفسير الأمر.
إن احتجاجك وإستشهادك بأفلاطون أو أرسطو أو سقراط لايعني لي شيئا، (31) وكم تمنيت لو انك تستشهد بـــديموقريط أو أبيقور أو لوقريتوس أو غيرهم من الفلاسفة الذريين. ولاعجب أن الذين أفاضوا في الحديث عن الكائنات الخفية والظواهر الغريبة المثيرة قد اخترعوا قصة الأشباح والأرواح لينتقصوا من قيمة ديموقريط الذي بلغ حقدهم عليه أن ألقوا كتبه في النار رغم مابذله في تأليفها من جهد وعناية تستحق المديح.
وأخيرا سيدي، أتوقف عند هذا الحد، فقد أطلت في الموضوع أكثر من اللازم، كما أني لاأريد أن أسبب لك مزيدا من الإحراج في موضوع يتعذر علينا التوافق  حوله بسبب مبادئنا المختلفة التي نتبعها.(32)

Facebooktwitterredditmailby feather

المجرم الذي أصبح تقيا

المجرم الذي أصبح تقيا: أو كيف نطرح إشكاليات درس الشخص إنطلاقا من وضعية مشكلة حياتية

 

   
وضعية مشكلة: لو أن أحدهم كان سكيرا، قاطع طريق، فظا غليظ القلب، ثم تاب- بقدرة قادر – فأصبح من أتقى الأتقياء، يفيض قلبه رحمة ويداه عطاءا وعيناه دمعا !! فهل نحن أمام نفس الشخص أم لا ؟ وماذا تعني عبارة "نفس الشخص"؟
لنتخيل وضعية أخرى: شخصا يهيم حبا بشخص آخر،لاتبارح صورته مخيلته ليل نهار، يسعد بقربه ويشقى بالبعد عنه، ثم حدث أن خبا هذا الحب لسبب أو لآخر، أو تعلق الهوى بمحبوب جديد وكأن شيئا لم يكن ! هل نحن هنا أمام نفس الشخص قبل الإنقلاب العاطفي وبعده؟
ألم تقل أم كلثوم في أغنية " ثورة الشك":
أكاد أشك في نفسي لأني أشك فيك وأنت مني!
ومرة أخرى: ماذا تعني عبارة "نفس الشخص"؟
  المجرم الذي أصبح تقيا!
اانتبه ملاحظات ديداكتيكية أولية:1- موجز الحصة:
يقتصر نص الوضعية-المشكلة البدئية التي سيعرضها المدرس على تلامذته على مايلي:
لو أن أحدهم كان سكيرا، قاطع طريق، فظا غليظ القلب، ثم تاب- بقدرة قادر – فأصبح من أتقى الأتقياء، يفيض قلبه رحمة ويداه عطاءا وعيناه دمعا !!
وبعد عرض الوضعية وشرحها جيدا بأسلوب يبتغي التشويق والإثارة، أتقدم بأول سؤال:
هل نحن أمام نفس الشخص أم لا ؟

 

 

 

 

1- عوامل فشل الوضعية المشكلة: الحل المتسرع للمشكل
حيث أن الهدف من الوضعية المشكلة هو "وضع" التلميذ في "مشكلة"، فما أشبهها هنا بقنبلة ينتظر ان تحدث زوبعة ذهنية تخرج المتعلمين من لامبالاتهم وطمأنينتهم وإحساسهم بوضوح العالم و خلوه من أي جديد أو ألغاز محيرة!! باستثناء جديد التكنلوجيا وألغازها طبعا: جوال، MP4 ، دراجات نارية… والتي تبهرهم وتدهشهم وتخرجهم بالفعل من لامبالاتهم!
ولم يكن اختيار مجاز القنبلة عبثا! فانفجار القنبلة حدث يثير الاهتمام لدرجة الفزع، كما أنه يرغم المرء على "التصرف" و فعل شيء ما! وبالمثل يتعين على الوضعية-المشكلة أن تكون مثيرة فعلا للاهتمام والانتباه أولا ومحفزة على التفكير ثانيا،
ينتج عن ذلك أن المدرس مطالب -قبل بدء الحصة- بانتقاء وضعية مشكلة مثيرة للاهتمام حقا، تنطلق من معيش التلميذ وتمسه بشكل مباشر وتخاطب انشغالاته التي حتى لو حكمنا عليها بالتفاهة وأصررنا على انتشاله من شرنقتها، فلابد من مخاطبتها أولا لأنها مدخلنا الضروري إلى وجدان المتعلم المتعلم ومن ثم عقله، بحيث لا نترك له فرصة لعدم المبالاة، وهنا يتعين التمييز بين "الانشغالات العالِمة" و"انشغلات المعيش" وهكذا فالسؤال: هل توجد علاقة ثابتة بين كتلة الجسم وحجمه (الكتلة الحجمية)؟ هو انشغال عالم، انشغال ارخميدس فقط، في حين أن السؤال: كيف نعرف أن تاج الملك مصنوع من ذهب خالص هو "إنشغال معيش" أي انشغالل الملك صاحب التاج. لكن هذا لا ينفي أن هذا يقود إلى ذاك؛
هذا عن دور المدرس وهو يعد الحصة وينتقي الوضعية، أما عن دوره أثناء الحصة، فيتمثل بالدرجة الأولى في الحفاظ على على أعلى درجات التوتر أثناء مسار الوضعية المشكلة
لذا أرجو ان يتجنب المدرس ما أمكن -في ما يخص الوضعية الحالية-أن تصل جماعة القسم إلى خلاصات من قبيل: "هناك تقدم في التاريخ" أو "إنها قرصنة أو جهاد بحري" أو "الرجال/الأبطال يصنعون الظروف او الظروف تصنع الرجال/الأبطال"… وإلا سنكون قد أبطلنا مفعول القنبلة بأيدينا ونقضنا غزلنا !!
إذا كان الأمر كذلك، فقد تحولت الوضعية المشكلة إلى وضعية مريحة، او تحولت إلى لحظة من لحظات البناء الإشكالي حيث يتم تقديم موقف فلسفي من خلال نص كإجابة ممكنة على السؤال المفترض (طبعا، قبل مناقشته ومساءلته لاحقا للانفتاح على غيره)
3- عوامل نجاح الوضعية المشكلة: أ-تأزيم كل جواب ممكن
ينتج عن ذلك أنه ولكي تكون الوضعية المشكلة وضعية-مشكلة بالفعل، على المدرس أن يحاول بكل الوسائل الممكنة البرهنة على استحالة الجواب أو تأجيله على الأقل ! ألم يقل برغسون: إن الفلسفة هي فن طرح السؤال وتأجيل الجواب باستمرار، ولا يفعل المدرس في هذه الحالة غير لعب دور سقراط: إثبات التناقضات أو الإحراجات الممكنة التي تنجم عن قبولنا بجواب المحاور !!
ينبغي أن نمنع بكل وسيلة ممكنة اللقاء الذي يحاول التلاميذ جاهدين إقامته بين السؤال وجواب ما، للتخلص من حالة التوتر التي احدتثها الوضعية المشكلة، للعودة على حالة التوازن والطمأنينة الأولى

لأجل ذلك، على المدرس أن يكون مستعدا لتأزيم أي جواب قد يقترحه التلميذ !؟ وهذا يتطلب يقظة ذهنية وحضور بديهة تستنزف الطاقة الفكرية للمدرس والتلاميذ على السواء
ففي الحالة التي نحن بصددها الآن: هل نحن أمام نفس الشخص؟ ينتظر أن يقول التلاميذ: نعم ! نفس الشخص.
على المدرس ان يشكك في هذا الجواب ويؤزمه ويكشف عن المفارقات التي تترب عنه، وبينين أن هناك دلائل كثيرة تدعو إلى الاعتقاد أننا لسنا في الواقع أمام نفس الشخص !! :quoi:
وبالمثل لو افترضنا أن "الله ضْربهم" :quoi: وقالوا: "لسنا أمام نفس الشخص !"
هنا لاينبغي أن يّسقط في يد المدرس، بل عليه أن يدعم الرأي القائل: "إننا لانزال أمام نفس الشخص" … :icon_biggrin:

ب-وضوح الإشكال في ذهن المدرس
بيد أن تأدية الوضعية المشكلة لوظيفتها البيداغوجية والمتمثلة في انبثاق السؤال بشكل تلقائي وطبيعي وغير مصطنع يتوقف على مدى وضوح الإشكالات أصلا في ذهن المدرس، أقصد الإشكالات التي يفترض أن تمضي نحوها الوضعية-المشكلة، لأننا نخوض غمار حصة الوضعية المشكلة ونحن على علم مسبق بما نود طرحه والتساؤل عنه دون أن ينفي ذلك إمكانية توصل الجماعة المفكرة/جماعة القسم إلى استنتاجات وأسئلة لم تكن متوقعة، ويمكن استدماجها في الصياغة النهائية للإشكال حسب درجة ملاءمتها!
وقد يعترص علي بالقول: بأن هذه لعبة مصطنعة مادمت تعرف مسبقا إلى أين تود قيادة تلامذتك !!
وأجيب نعم، ولا إمكانية لخلاف ذلك !! لايمكن للمرء أن يحسن "قيادة العقل" مالم يعرف إلام يقود عقله! وليس ذلك بقادح في وظيفة الوضعية المشكلة، خصوصا وأن الإشكال المصاغ في النهاية لايتجسد بالضرورة في نفس العبارات والأسئلة والتراكيب في كل الأقسام التي نقوم بتدريسها، بل يتلون بشيء من المسار الخاص الذي عرفه النقاش مع كل قسم على حدة. و.. من الممكن أن تكتسب أسئلتنا التي نحمل في أذهاننا مسبقا خصوبة إشكالية غير متوقعة من قسم لآخر او من سنة لأخرى، لكن لا أحد يستطيع الادعاء بالخروج عن الإطار الإشكالي العام الذي يرسمه المنهاج أو المؤسسة.
أما الإشكال الذيأضعه نصب عيني فهو:
هل هناك جوهر يظل ثابتا رغم تغيرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتها؟ هل أنا اليوم هو نفسه الذي كان قبل عشرين سنة؟ هل أنا الآن "شيء" واحد أم متعدد بحكم تعددية مايجيش بداخلي المتعددات والمتناقضات؟
إذا كان الجواب بــ "نعم" فما هذا "الواحد فيّ"؟ وماهذا الذي يظل تابثا رغم التغيرات؟ أي أين تكمن هوية الشخص؟ وإذا كان الجواب بــ "لا"، فما هي هذه الهويات أو الكيانات التي تسكنني التي ما فتئت أتوهمها كيانا واحدا !؟

5- ملاحظة أخيرة حول وصفي لما شهدته حجرة الدرس
لاشك أن حصة الوضعية-المشكلة هي حصة نشاط سيكو/سوسيو-معرفي؛ وعليه، فطبيعة التفاعلات التي تستثيرها الوضعية والمفعولات الناجحة أو الفاشلةالتي قد تحدثها لاتنفصل بدورها عن المناخ السيكو/سوسيو-معرفي الذي يكون القسم مسرحا له..وعلى ذكر المسرح، فإنجاز هذه الحصة التي أقدم لكم أدناه وقائعها يحتاج مني دوما إلى إعادة ابتكارها من جديد مع كل قسم وفي كل سنة، إنها أشبه بنص مسرحي ينبغي إخراجه دوما بديكوره وإكسوسواراته وسيناريوه و … بالكثير من الارتجال
,غني عن البيان أنني حاولت بقدر ما تسمح به مواهبي القصصية المتواضعةأن يكون أمينا ما أمكن للمجريات "النموذجية" للحصة، أقول "النموذجية" لأن الحصة أنجزت مع ثلاثة أقسام (ومع عدد أكبر طبعا طيلة السنوات الماضية) بأشكال مختلفة نسبيا وبدرجات نجاح وإمتاع متفاوتة
كما أنوه إلى أن هذه الحصة هي أول ما أبدأ به الدرس قبل أي شيء آخر أي قبل أي حديث لا عن الشخص ولا عن الدرس او إشكالاته
وأخيرا فما أنقله لكم أدناه لايعكس تنوع مداخلات التلاميذ ومداخلاتي ، لأنني لا أذكر كل ماقالوه وكل ما قلته

وقائع الحصة:

-المدرس: أرجو الانتباه! وأن تصغوا إلى حكاية غريبة أود أن أقصها عليكم (صمت قصير ، ثم..)
لنفترض أن أحدهم كان سكيرا، قاطع طريق، فظا غليظ القلب، ثم تاب- بقدرة قادر – فأصبح من أتقى الأتقياء، يفيض قلبه رحمة ويداه عطاءا وعيناه دمعا !!
(طبعا مع تفاصيل أخرى حول حياته الإجرامية السابقة.. وحياته الجديدة.. :icon_biggrin: من أجل خلق الإثارة والانتباه.. )
هل نحن أمام نفس الشخص أم إزاء شخص مختلف كليا عن صديقنا السكير الأول !؟
– التلاميذ (مباشرة على شكل رد فعل): طبعا نحن أمام نفس الشخص !
-المدرس: مالذي يجعلكم تعتقدون ذلك !؟ مالذي بقي في هذا المؤمن التقي من ذلك المجرم الحقير !؟
– التلاميذ ( إجابات كثيرة محتملة.. من بينهما): لأنه هو نفسه !
لأنه نفس الهيئة أو الجسد،
-المدرس: كيف "هو نفسه" !؟ ثم هل مايجعل الشخص هو نفسه هو بقاء جسده !؟ (هنا أكون قد صرحت بأول سؤال له علاقة بإشكالنا، ولكن دون أن أثير انتباههم إليه كثيرا) ولكن ماذا لو خضع لعملية تجميل؟ ما وجه الشبه بينك انت الآن وبين الطفل الصغير ذي السنتين؟ هل تستطيع خالتك التي لم ترك منذ أن كان عمرك سنتين أن تتعرف عليك اليوم؟
– التلاميذ: بالتأكيد ، لا
-المدرس: فلم قلتم إن المؤمن التائب مؤخرا هو نفسه المجرم السابق؟ مالذي بقي من مجرم الأمس في مؤمن اليوم؟ وقبل ذلك دعونا نعقد الأمور أكثر. سيقال لخالتك: هذا هو ابن أختك، فتستغرب لكنها في النهاية ستقبل، ماذا يعني ذلك؟
– التلاميذ:( لايبدو عليهم انهم فهموا السؤال !؟ :icon_confused: والخطأ خطئي طبعا)
-المدرس: على ماذا اعتمدَت في تقرير أنك أنت هو الذي كان؟ على أي أساس قررت أنك أنت اليوم هو الذي رأتك وانت رضيع؟
– التلاميذ: على كلام أمي وأبي
-المدرس: حسنا، إذن الآن عندما نسأل عن المؤمن التائب او المجرم السابق، بالمناسبة ، لا أعرف ماذا سنسميه؟ أهو المجرم السابق أم المؤمن التائب
– التلاميذ (بعضهم) :المؤمن التائب، (والبعض الآخر): المجرم السابق
(هنا دخلنا في دوامة أخرى، لايهمني طبعا الجواب، في غمرة النقاش، "قذفتهم" بالسؤال التالي:)
-المدرس: أم أنه "المجرم" وكفى بالنسبة لرجال الشرطة الباحثين عنه، أم انه "المؤمن" وكفى بالنسبة لأهل المدينة الذين حل بين ظهرانيهم مؤخرا والذين لايعرفون عنه غير استقامته ونبله
– التلاميذ: زادت الحيرة أكثر، وتوزعوا الآن بين أربعة مواقف :quoi:
-المدرس: إذن لكي أحدد ما إذا كنت "أنا هو أنا" ؟ لايتعلق الأمر بي أنا فقط، بل هناك عدة مرجعيات
– التلاميذ: أنا، الآخرين،
-المدرس: وهناك وثائق إثبات الهوية أيضا!! حسنا لهذا السبب تذكروا أننا سنصل إلى درس عنوانه "الغير"، والآن أجيبوني بالله عليكم: هل نحن امام نفس الشخص ام لا؟
– التلاميذ:( يظهر عليم انهم أصبحوا أكثر حذرا بعضهم قد يطلب رأيك، وسواء طلبوه أو لم يطلبوه، فإنني أبادر إلى قول مايلي:)
-المدرس: حسنا يا إخوان (وفعلا أنديهم دائما بــ "يا إخوان") ! يظهر لي أنه لايزال نفس الشخص (تتهلل أسارير التلاميذ) إنما .. آه !! إنما المشكلة عندي هو ماهذا الذي لايزال فيه هو هو !؟ إذا سمينا هذه ال" هو هو" هويته، فأين تختبئ هويته يا ترى !؟ :icon_scratch: لأنه لايمكن أن نستأمن جسده على هويته !؟
– التلاميذ: (أحيانا): روحه (وأحيانا أخرى، بسبب وجود مكررين للسنة) ذاكرته
(وحتى لو لم يتحدث أحدهم عن ذاكرتهم، فإنني أدفعهم الى التفكير في معطى الذاكرة الذي لاشك أنه ليس غريبا عنهم، لكنه قد لايخطر ببالهم)
-المدرس: حسنا وروحه هذه أين توجد؟ في أظافره؟ في السيالة العصبية واإشارات الكهرمغناطيسية التي تجري في الدماغ كما رأينا في السنة الأولى العام الماضي !؟
(نقاش، بحث، ..)
(يحدث أن بعض التلاميذ يتحدثون عن ثبات "شخصيته"، وهذه هي الفرصة المواتية للوقوف مع التلاميذ على مفهوم الشخص وتمييزه عن مفهوم الشخصية، لأنني لا أكره شيئا قدر كرهي لطريقة : درسنا اليوم هو الشخص فما معنى شخص؟ أيي طريقة درسنا اليوم X فماذا تعني X ، لأن البحث عن دلالة كلمة ليس غاية في حدذاته، ثم لماذا سيقبل التلاميذ معك على تعريف الكلمة!!؟ الأفضل ان يتم تعريفها عندما تظهر الحاجة إلى تعريفها)
أما بالنسبة لذاكرته أتفق معكم، ولكن ماذا لو فقد ذاكرته؟ ألن يظل هو نفسه بالنسبة لأمه !؟
أحد التلاميذ (ذات سنة): بمعنى إذا فقد هذا المجرم ذاكرته فلن يعود نفس الشخص، إذن الهوية تكمن في الذاكرة،
-المدرس: رأي صائب على مايبدو، بمعنى لو افترضنا أنهما مجرمان وليس واحدا، اشتركا في اقتراف نفس الجرائم لنفترض ان أحدهما فقد ذاكرته والآخر لايزال يتذكر، كيف سيتعامل القانون معهما!؟
– التلميذ السابق نفسه: سيخلي سبيل فاقد الذاكرة!! ولكن في هذه الحالة سنعاقب الآخر ليس لأنه فعل بل لأنه لايزال يتذكر !!!!!
-المدرس: اصبت وهذه معضلة أخرى من معضلات العدالة البشرية، ولكن دعنا من العدالة والمحاكم وقل لي: هل نحن امام نفس الشخص؟ ثم هذا السؤال هل يمكن صياغته بعبارة أعم؟ ألا ترون أنني سألتكم في البداية هل نحن أمام نفس الشخص، ثم مالبثت أن سألتكم…
– التلاميذ: مالذي بقي فيه ثابتا؟
-المدرس: إذن هل يمكن إعادة صياغة هذا السؤال بعبارة أعم؟
(المهم استكشاف قدرتهم على صياغة سؤال من قبيل: مالذي يجعل من شخص ما هو هو ؟ أو أين تكمن هويته)
-المدرس: دعونا نعقد الأمور أكثر
– التلاميذ: أوليست معقدة بما فيه الكفاية؟
-المدرس: على كل حال استمعوا: لنفترض أن سفينة لنقل الركاب، تعمل في البحر منذ أربعين عاما.. وطيلة هذه المدة، كلما اهترأت قطعة خشب، استبدلناها بقطعة جديدة، وهكذا … وهكذا دواليك على امتداد الشهور والفصول والأعوام… إلى أن جاء يوم استبدلنا فيه آخر قطعة مهترئة من الجيل القديم
السؤال الآن: بعد عملية الاستبدال الأخيرة، ألا نزال أمام نفس السفينة، هل يمكن لمسافر أن يقول: آه هذه السفينة التي ركبتها قبل 10 أو 20 أو 30 سنة !!؟
– التلاميذ (ولكن هذه المرة بتررد وبنبرة غير واثقة): نعم إنها نفس السفينة، نفس الشكل
-المدرس: ونفس القطعة المعدنية التي تحمل إسم السفينة
تلميذ: ونفس المحرك
-المدرس: لماذا قلت نفس المحرك
– التلميذ: لأنه روح السفينة مايحركها
-المدرس: جيد! ولكن انتبه، أعتقد أن المحرك بدوره قد حصل له ما حصل لقطعالخشب فقد استبدلت أجزائه ربما،
ثم لو أننا نزعنا هذا المحرك العتيد، و"زرعناه" في جوف سفينة أخرى، فهل ستصبح السفينة الأولى هي الثانية !؟
– التلاميذ: لا
-المدرس: إليكم الآن أخير التوابل لتعقيد الأمر:
– التلاميذ: (ينتظرون)
-المدرس: لو أننا كنا، كلما استبدلنا قطعة مهترئة، وعوض أن نرميها نقوم بحفظها في مخزن Depot ، سنحصل في الأخير على ركام هو مجموع خشب السفينة من الجيل الأول
في هذه الحالة، أين هي السفينة، هل هي الراسية الآن في الميناء ام ذلك الحطام الذي يمكن لمهندس متاحف ان يركبه ويقيم به أود السفينة مثلما فعلوا مع سفن الصين القديمة أو سفينة الفرعون !؟
– التلاميذ: (تفرقوا شيعا ! البعض يعتقد ان) السفينة التي ركبناها هي الراسية (وهناك من يعتقد انها) هي مجموع الحطام !!!
-المدرس: (وبعد هدوء الزوبعة): دعونا من السفن والخشب، ولنعد إلى مجرمنا السابق أو مؤمننا التائب أو لست أدري.. أجيبوني: هل هو الآن "مؤمن" أم "مؤمن-مجرم" أم "مجرم" ؟ ألم تبق في نفسه ذرة من المجرم!؟ هل هو الآن واحد ام متعدد !!؟
– التلاميذ أو بالأحرى بعض التلاميذ: كما رأينا في السنة الماضية عند فرويد، نحن مسكونون نبثلاثة، حتى وإن كنا نبدو واحد
-المدرس: اصبت
إلخ…
إلخ..
-المدرس: والآن دعونا نستجمع أفكارنا: ماهي الأسئلة التي أجهدنا البحث عن جواب لها لحد الآن
– التلاميذ: هل نحن امام نفس الشخص؟
-المدرس: صحيح، ولكن لاتسوا باقي الأسئلة
إن لم يتذكروا، وهذا مستبعد، ما على المدرس سوى تذكيرهم ببعض المحطات المحددة في النقاش السابق، ليمكنوا من تذكر الأسئلة التي كنا بصدد معالجتها (ألم يقل أفلاطون: المعرفة تذكر والجهل نسيان :icon_wink: !!؟)
في النهاية نتفق على ان الأسئلة التي كانت تشغلنا هي:
هل هناك شيء ما يظل تابثا في الشخص ؟ وإذا كان لكل شيء ماهية وهوية تخصه بها يتميز عن غيره ففيم تتحدد هوية الكائن البشري/الشخص؟ مالذي يمنح الشخص هويته التي يستشعرها على امتداد الزمان وتغيرات أحوال النفس والجسد؟ هل تكمن الهوية في الجسد أم الذاكرة ام ماذا؟ وهل تحيل هذه الهوية على كيان واحد أم كيانات متعددة لايجمع بينها سوى وهم الوحدة؟

أخيرا أرجو أن يقرأ الحوار أعلاه على أنه مجرد نص، لايكتسب الحياة إلى من فعل الأداء، أنا نفسي عندما أقرأه الآن، أدرك ان هذا الحوار يخون تلك الحيوية التي كانت حجرة الدرس مسرحا لها.

ولكن حسبي أو أكون وفقت في نقل ولو جزء بسيط لما كانت حجرة درسي مسرحا له، ولاشك أنني لم أنقلها كما هي حرفيا وأنى لي ذلك اللهم إلا إذا تحولت إلى جهاز كاميرا أو مسجل صوتي :icon_biggrin:
يبدو سردي كما لو أن الحصة كانت تمضي في طريق معبدة بل قل في طريق سيار !! للأسف الشديد لم أستطع إعادة سرد قصص المآزق والطرق المسدودة التي كنا نرتادها من حين لآخر، ولحظات الصمت والفوضى عوض الزوبعة الذهنية، ولكن على العموم يمكن القول أن الإطار النموذجي للحصة هو ما حكيتهم لكم، لأنني لم أخترعه الآن من خيالي :icon_wink:
كل ما أتمناه أن يشكل هذا البوح قدوة حسنة لكي يتجرأ زملائي المدرسون للقيام بالمثل !! أو على الأقل لنقد التجربة أي قراءتها

Facebooktwitterredditmailby feather